إذا كان النفوذ اليهودي داخل مؤسسة السلطة الأميركية هو الذي يدفع الرئيس بوش إلى شن حملة ضارية ضد البرنامج النووي الإيراني خشية تطوره إلى مستوى تصنيع أسلحة نووية، مما يؤدي لتحييد الرادع النووي الإسرائيلي فإن هذا النفوذ نفسه هو الذي أجبر قبل ما يقارب نصف قرن الرئيس جون كينيدي على وقف معارضة الولايات المتحدة المشروع الإسرائيلي لإنتاج قنابل نووية.

يروي الكاتب الصحافي الأميركي سيمور هيرش أن اكتمال منشأة ديمونة الإسرائيلية وجاهزيتها لإنتاج قنبلة نووية في أوائل ستينات القرن الماضي كان يشكل عائقاً على طريق السياسة الخارجية لتحسين علاقات الولايات المتحدة مع العرب، خاصة مع مصر الناصرية. بالفعل تطورت العلاقات الأميركية مع مصر إلى مستوى حميمي بحلول منتصف عام 1962 بعد أن رفعت واشنطن مساعداتها الاقتصادية في أعقاب تبادل رسائل شخصية بين جمال عبد الناصر وجون كينيدي ابتدرها الأخير.

وفي هذه الأثناء انكشف سر مفاعل ديمونة على نطاق عالمي، مما دفع عبد الناصر إلى مخاطبة نظيره الأميركي في هذا الصدد، معبراً عن قلق مصر والعرب، وقد طمأن الرئيس كينيدي نظيره المصري بأن الولايات المتحدة ستضغط من أجل استصدار قرار في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكي ترسل فريق مفتشين إلى منشأة ديمونة.

علماً بأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تنكر أن لديها مشروعاً لإنتاج أسلحة نووية، ولإحباط مسعى الرئيس كينيدي لجأت إسرائيل إلى قيادات الجماعات اليهودية الأميركية وفي مقدمتهم شخصية تدعى إبراهام فينبيرج ـ الأقوى نفوذاً في دهليز السلطة العليا في واشنطن. وفقاً للكاتب هيرش فإن فينبيرج قال إنه لم يناقش الأمر مباشرة مع الرئيس كينيدي وإنما عبر طرف ثالث.

ومضمون الرسالة التي تلقاها كينيدي كانت واضحة إلى درجة التهديد الضمني، فقد كان مفادها الآتي: إن الإصرار على تفتيش ديمونة سوف ينتج عنه تأييد أقل في الحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة في عام 1964! أي أن الحركة اليهودية الأميركية لن تعطي أي دعم للرئيس كينيدي لولاية ثانية في معركة الانتخابات الرئاسية.

الرسالة سلمت إلى وزير الخارجية روبرت ماكنمارا، وسلمت نسخة أخرى إلى مساعد وزير الدفاع بول نيتز، ويقول هيرش إن فينبيرج عندما اجتمع مع كليهما قال لهما بكل حزم: على أميركا ألا تحشر نفسها في موضوع ديمونة.

ولاحقاً روى نيتز أن إسرائيل طلبت شراء طائرات مقاتلة أميركية متقدمة. وقال نيتز لفينبيرج عندما اجتمع معه لهذا الغرض إن الإدارة الأميركية لن تلبي الطلب إلا إذا وافقت إسرائيل على تفتيش ديمونة. وهنا صرخ الزعيم اليهودي في وجه مساعد الوزير الأميركي قائلاً: لن تستطيع، وسترى! فما كان من نيتز إلا أن طرده من مكتبه.

بعد ثلاثة أيام تلقى نيتز مكالمة هاتفية من وزير الخارجية ماكنمارا حيث قال الوزير إنه صدرت إليه تعليمات لبيع الطائرات لإسرائيل. وقد كان! وغني عن القول إن إدارة كينيدي تراجعت أيضاً عن مسعاها للضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء تفتيش على منشأة ديمونة النووية.

وللمقارنة ما بين الأمس واليوم نقول إنه بينما كانت الحركة اليهودية تمارس نفوذها على الإدارات الأميركية من خارج الإطار السلطوي فإنها تمارس اليوم هذا النفوذ من داخل الإطار عبر مجموعة «المحافظين الجدد» المحيطين بالرئيس في البيت الأبيض. بقي سؤال أخير واضح الإجابة: من دبر اغتيال الرئيس جون كينيدي بعد أن ثبت أنه يتبادل وداً دبلوماسياً مع جمال عبد الناصر؟