البوصلة الفلسطينية التي انكسرت إبرتها قبل ستة أشهر، صارت مهددة بالتعطيل الكامل والتحول إلى خردة. كان الاعتقاد، بل المراهنة، بأن العطب الذي حصل مؤقت وأن عملية تصحيح الخلل قادمة؛ ولابدّ أن تأخذ مجراها.
مصلحة القضية وأصحابها؛ ومصير الصراع برمته، كله يقتضي ذلك. وبالتالي أن الفصائل والقوى المتنازعة لن يكون أمامها خيار آخر، غير العودة إلى الحوار وبناء القواسم المشتركة من جديد؛ ولو بالحد الأدنى؛ بحكم أنها واجبة الوجوب، في هذه المرحلة من تاريخ القضية. الوساطات أو ربما المناسبات الوطنية، قد تكون جسر العبور مجدداً إلى رحاب الوحدة الوطنية.
المؤسف والمحبط، بل المذهل؛ أن محاولات كثيرة جرت وفرصا كثيرة مرّت، منذ ذلك التاريخ؛ من دون نجاح في لعب هذا الدور. بل إن الوضع الفلسطيني ازداد تأزماً. الشقة بين طرفيه الأساسيين تعمقت وتوسعت أكثر. حتى المناسبات الوطنية صارت لحظة تأجيج للخصومة والجفاء؛ بدلاً من أن تتحول إلى فرصة ينبغي التقاطها، للبدء في ردم الهوّة.
أو على الأقل لجس النبض وإبداء ما يؤشر إلى حسن نوايا؛ متبادلة. آخر فصل من هذا النوع، مناسبة ذكرى تأسيس حركة فتح، غداً، الأول من يناير. الحركة تشدد على حقها في الاحتفال بهذه الذكرى، في غزة. «حماس» أعلنت شرطتها الأمنية أنها عازمة على منع الاحتفال.
أو أنها قد تنظر في طلب للموافقة على إحياء الذكرى. سبق ذلك ورافقه حملات اعتقال متبادلة بينهما، في الضفة وغزة. وتزامن معه ما سمي بأزمة الحجاج الفلسطينيين، الذين تعذر عليهم العودة إلى القطاع، بسبب التعنت الإسرائيلي ورفض الموافقة على دخولهم من معبر رفح.
وفي الوقت ذاته أعلن عن استشهاد أحد الأسرى الفلسطينيين في سجنه؛ فيما تواصل إسرائيل احتيالها على موضوع الاستيطان، الذي وعدت الرئيس الفلسطيني قبل يومين بوقف نشاطاته؛ لتعود وتشيع بأن الوقف يشمل المستوطنات في القدس فقط.
يحصل كل ذلك وغيره من الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، في الضفة وغزة؛ وتبقى الساحة الفلسطينية مشغولة بمناكفاتها وصراعاتها. لا يضيرها حتى تحويل فرصة وطنية وتجييرها لرفع منسوب التأزيم.
وقد تكرر هذا التمرين المؤذي أكثر من مرة. حصل أثناء الخلاف على أداء الصلاة، أيام شهر رمضان. ثم يوم صلاة العيد. وفي ذكرى رحيل أبو عمار، وقع الاحتكاك وسقط 7 قتلى. والآن تتطلع الأنظار إلى يوم غدٍ، مع التخوف من أن يتحول إلى موعد آخر، في المواجهة الدائرة.
وبدل أن تتقلص الفجوات، تحت وطأة التحديات الكبيرة والمصيرية التي تواجه الشعب الفلسطيني وقضيته؛ فإذا بها تزداد مساحة. وبدلاً من أن تنحصر المواجهة بأشكالها المتاحة والمختلفة مع الاحتلال؛ فإذا بها تتحول إلى صراع مثلث؛ يخفف من كلفة إسرائيل ويقدم لها ورقة بمثابة هدية لا تثمن. اشتباك الوضع الفلسطيني مع نفسه، خسائره فادحة ومفتوحة على المزيد من النزف. تجربة الماضي وبالتحديد الأشهر الستة الماضية؛ شاهد لا يدحض.
الإصرار على الإيغال في هذا النهج، مستهجن. غزة تكاد تختنق تحت الحصار والقصف والتوغل العسكري، الإسرائيلي. الضفة، يعمل فيها الجدار والاستيطان قضماً وتقطيعاً؛ ناهيك بالمطاردات والاجتياحات اليومية.
إذا كان كل ذلك لا يشكل حافزاً، بل دافع إلزامي، للعودة عن نهج تعميق الشرخ، لصالح تغليب أولويات اللحظة؛ فما هو الذي يمكنه أن يؤدي إلى مثل هذه الصحوة اللازمة؟البوصلة الفلسطينية المفقودة، حانت ساعة استرجاعها. بدونها تبقى الساحة للرؤوس الحامية؛ وبالتالي تبقى مهددة بالانجراف أكثر فأكثر في مجرى الاقتتال الذي تريده إسرائيل.
