العرب بجغرافيتهم وسكانهم وثرواتهم يشكلون قوة تحتاج لإدارة عاقلة، تخترق عوامل الإعاقة السياسية إلى لقمة العيش وبناء هياكل استراتيجية تمنح المواطن وسيلة الدفع من الضياع والجوع، إلى امتلاك المعرفة، والتنمية، ومعهما الحرية الذاتية التي لا تقمعها ذرائع الأمن الوطني التي جعلت التصفيات الجسدية والتهجير أحد أسوأ الإجراءات التي حدثت لبلدان مهمة وغنية تمتلك مقومات النهوض وسد الحاجات المعيشية والأمنية الاقتصادية والاجتماعية..
هذه الكتلة الهائلة التي تتربع على منافذ القارات الرئيسية، لا تزال تجوع رغم تدفق الأنهر والبحيرات، وتتخلف رغم أسبقية التعليم الذي جاء مع حملات الاستعمار الأولى ولديها النفط والمساحات المفتوحة للثروات الزراعية والحيوانية، وقيام اقتصاد زراعي وصناعي قادرين على تشغيل القوى العاملة في مجالات متعددة، لكن كيف يمكن فك شفرة التخلف؟ هنا لابد أن نذهب إلى الحكماء، والعقلاء بدلاً من بصّارات قراءة الكف والتنبؤ بمن يفوز بالدرجة العليا، والأرقام الفلكية في الانتخابات وغيرها..
نقول لو أن هذا التجمع أفرز جبهة عريضة لا تقوم على الإقليمية أو الذرائعية التي قسمت المجتمع العربي، ووصلنا إلى نتيجة تأمين الخبز والوظيفة، وبدأنا مشوار قرننا الخاص، لربما، وإن كنت لا أجزم، نصبح الكتلة المهمة في عالم اليوم لتعدد مواقعنا وثرواتنا الكبيرة..
ثم لو دمجنا هذا الكيان بجارين كبيرين، وطرحنا مفاهيم التكامل الاقتصادي كأولى حلقات القفز على اتحاد يربط العرب بتركيا، وإيران، وتخلصنا من سلبيات التاريخ ومخلفات ما و رثناه من عجز عن خلق ظروف تصالحية، تجعل الإسلام ديننا جميعاً بدون فوارق مذهبية وطائفية وافتتحنا أول بيان لإعلان اتحادات جمركية، وعملة موحدة، وسكك حديد، وخطط طموحة تضعنا في دائرة من يريدون رؤية المستقبل بعيون الحاضر، واتفقنا على فتح المطارات والحدود وقوّمنا اقتصادنا وفقاً لإمكانات إنتاج كل بلد، ووفرة ثرواته المادية والسكانية، وجعلنا هذه الأقاليم خط إنتاج متعدد الغايات، لو حدث هذا كله لتشكَّل لنا بناءٌ معماري جديد، في رحلة التحالفات الكبرى التي لا مجال للأقاليم الصغيرة فيها، إلا بمدى ما توفره من قدرة على العطاء، والدخول في ميدان السباق الكبير..
نعرف أن الطريق متعرجة عربياً لأن أعضاء الدول المسجلين في عضوية الجامعة اثنان وعشرون، تجمعهم اللغة والمكان الجغرافي المتواصل، لكن تفرقهم المفاهيم والغايات، وحصيلة ما يزيد على نصف قرن بعد التحرر من الاستعمار، قيود إقليمية و حكومية، وتنافر شعبي، ثم أخيراً تقاتُل بأسماء وشعارات مختلفة، وربما لا نجد من تحمل شهادة التكامل والتكافؤ من هذه التكتلات إلا تركيا، التي لديها النظام وسلعة الإنتاج والتطور السياسي والصناعي..
أدرك أن هناك من سيقول إنك مغرق بالخيال، ومتفائل بلا حدود لأحلام مستحيلة التحقيق وهذا صحيح برؤية الظرف الراهن، لكننا لو دعمنا الفكرة بجزئية صغيرة من العمل وتوسعت الدائرة إلى لقاء بين رجال الاقتصاد وعلماء الدين وأساتذة الجامعات وقدموا تقاريرهم، بدون تحفظ لصانع القرار، لربما خرجنا بنتيجة ليست ضرب أصفار، في أصفار..
