منذ بروزها السياسي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي حين ورثت بنازير بوتو وهي في الخامسة والثلاثين العمل السياسي عن والدها ذو الفقار علي بوتو الذي أعدمه نظام عسكري في 1979، بدت خطوات السيدة ذات الشخصية القوية والجذابة في آن واحد، أشبه بالفراشات التي تحوم حول النار تدفعها رغبة خفية تقودها إلى السنة اللهب القاتلة.

بنازير سليلة أسرة اختارتها الأقدار كما انتقت اسر سياسية أخرى لتلعب معها لعبة الموت الدرامية المخلوطة بالنفوذ والسلطة، في واحدة من اكبر البلدان الإسلامية التي لا تزال روح القبيلة والعشيرة تهيمن على مفاتيحها السياسية، وان أطبق العسكر على عنقها اغلب الفترات منذ استقلالها عام 1947.

إثر توليها رئاسة الوزراء كأول امرأة في دولة مسلمة تعتلي هذا المنصب في العصر الحديث عام 1988 لمدة عامين، قبل أن تعاود الكرة مرة أخرى وتجلس على المقعد ذاته عام 1993 وحتى 1996 خيم شبح الصراع الذي يقود إلى الدراما السياسية المعهودة في قصص صعود وهبوط الشخصيات البارزة حيث لاحقتها تهم الفساد وسوء الإدارة، لتخرج من السلطة لتتوارى عن الأنظار في المنفى، قبل أن تسقط المحكمة العليا الباكستانية عنها تهم الفساد عام 2001.

وفي خضم الصراع السياسي بين الرئيس الباكستاني برويز مشرف وخصومه بعد إقالة رئيس المحكمة العليا افتخار شودري، وما تلاه من احتقان سياسي في الشارع الباكستاني، عاد نجم بوتو إلى الظهور في سماء اللعبة.

وجرى حديث عن صفقات من تحت الطاولة برعاية أميركية، وجرى ترتيب سريع لعودتها إلى البلاد في 18اكتوبر الماضي لتواجه أول محاولة اغتيال في كراتشي، أودت بحياة أكثر من 130 شخصاً، عبدت دماؤهم الطريق أمام موت اشد مأساوية للنجمة ذاتها، ولكن هذه المرة في روالبندي على أعتاب إسلام اباد في مشهد سيظل محفورا في أذهان الباكستانيين والعالم مدة طويلة.

ورغم إحساسها بالموت المتربص بها منذ عودتها إلى البلاد أصرت بوتو على الخروج في مسيرات وجولات انتخابية كثفت منها في الأيام الأخيرة بصورة لافته، مشدودة على ما يبدو إلى قدر محتوم اختار لها الرحيل في الرابعة والخمسين من عمرها على هذا النحو الذي ادخلها عالم الأساطير والقصص التي لا يقدر العقل أحياناً على استيعابها.

قيل الكثير وسيقال أيضاً في الأيام المقبلة أكثر عن الجهة التي وقفت خلف اغتيال بنازير بوتو، أو تلك التي استفادت من رحيلها، وكيف أنها راحت ضحية الإرهاب والتطرف الإسلامي بعد إعلانها الهجوم السافر على «قتلة الأطفال والنساء والأبرياء» بتعبيرها.

غير أن ذلك كله لن يعوض باكستان خسارة واحدة من السياسيين الذين كانت تعول البلاد عليهم كثيرا للخروج من دوامة عدم الاستقرار في بلد يمتلك القنبلة النووية، ومحاط بالأطماع الخارجية والخلافات الداخلية الحادة.

فتح اغتيال بوتو أبواباً على المجهول، في ضوء انقسام المعارضة الباكستانية وتشبث العسكر بالسلطة وان في رداء مدني، وتشدد قبلي يتماس مع جماعات العنف عابرة الحدود الأفغانية، وإصرار أميركي على استخدام إسلام آباد كقبضة حديدية لحربها على ما يعرف بالإرهاب.

دفعت بنازير بوتو خريجة هارفارد وأكسفورد، نصيبها من لعبة السلطة القاتلة، وسيدفع حزب الشعب الذي تزعمته بالوراثة عن والدها الذي أسسه عام 1967 فاتورته، كما ستدفع باكستان نفسها ثمناً أفدح من استقرارها الداخلي ووقوفها في مهب ريح دولية عاصفة في منطقة لا تعدم أسباب التوتر والصراع.

رحلت بنازير قبل أيام من اكتمال عرس الانتخابات التي كانت تعول عليها للعودة إلى سدة الحكم رئيسة للوزراء للمرة الثالثة، غير أنها غادرت المسرح قبل أن يبدأ العرض النهائي لقصة تبدو فصولها أكثر عدداً مما يتخيل مؤلفوها.