بداية ساخنة لعام جديد لا أظن أن منطقتنا في نهايته ستكون كما كانت في بدايته. فالأوضاع على كل الجبهات تبدو في مفترق طرق، والخيارات مفتوحة، والرئيس الأميركي قادم ليبدأ العام الأخير في ولايته من المنطقة التي شهدت فشله الأعظم والتي يأمل أن يحقق فيها إنجازاً ينقذه من حكم التاريخ بأنه أسوأ رئيس شهدته أميركا، وينقذ حزبه في انتخابات الرئاسة التي باتت على الأبواب.

والمفارقة هائلة بين الخيارات المختلفة، فالرئيس الأميركي الذي كان يتحدث قبل شهرين فقط عن حرب عالمية ثالثة مع إيران، يأتي اليوم ودوافع الصدام تبتعد بعد تقرير المخابرات الأميركية عن توقف برنامج إيران لتطوير أي أسلحة نووية منذ 2003، ومع الإقرار بالدور الإيراني في إنقاذ الوضع العسكري الأميركي في العراق، والاعتراف بأن إيران كانت وراء وقف إطلاق النار الذي أعلنه مقتدى الصدر، وأنها ساعدت في ضمان سريانه في المناطق التي تتمتع فيها بالنفوذ وفقاً للسفير الأميركي في بغداد ريان كروكر.

ولا جديد في ذلك من حيث المعلومات، فالتعاون بين طهران وواشنطن في ضبط الأمور في العراق لم يكن سراً، والمساعدات التي قدمتها إيران في هذا الصدد معروفة، ولكن الإعلان الرسمي عنها في هذا التوقيت بالذات قبيل زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة، واللغة التي تستخدم، تعني أن المسرح يعد لخطوات أخرى، سواء في العلاقة بين واشنطن وطهران، أو فيما يتعلق بمستقبل العراق، أو ببدء انسحاب القوات الأميركية بصورة فعالة تفقد الحزب الديمقراطي ورقة مهمة في سباق الرئاسة الأميركية المقبلة.

لكن القصة ليست بهذه البساطة والصراع قد يكون ابتعد عن منطقة الاشتعال والتهديد بالحرب العالمية الثالثة.. الخ، ولكنه لم ينته.

والإدارة الأميركية التي ذهبت إلى العراق من أجل البترول (وليس من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان!) لن تخرج إلا بعد أن تضمن السيطرة على هذه الثروة البترولية بشكل أو بآخر. وترجمة التفاهم بين طهران وواشنطن حول العراق إلى واقع سيمر في طريق مليء بالصعاب، وأي حل يتجاهل عروبة العراق وارتباطه ـ قبل أي شيء ـ بالوطن العربي سوف يدفع الأمور إلى المزيد من التعقيدات.

وما يحدث في العراق الآن ومستقبلا يعرف الطرفان أنه مرتبط بالأوضاع في الخليج وفي المنطقة. والرهان الأميركي في النهاية سيكون على لغة المصالح، فلا مصلحة لأميركا في الحرب ضد إيران، ولا مصلحة لإيران في استمرار الصدام إذا ضمنت أمن النظام والمصالح الإيرانية التي تقوم على الاعتراف بها كقوة إقليمية كبرى.

ولا شك أن كل فريق يسعى لتعزيز موقفه والإمساك بأكبر عدد من أوراق اللعبة التي يستطيع الحصول عليها. ولكن ما ينبغي الانتباه له من جانبنا أن كل طرف يعرف في النهاية الأوراق التي يستطيع المساومة عليها، والأوراق التي لا تشكل خسارتها عبئاً كبيراً عليه، والأوراق التي سيقاتل للاحتفاظ بها.

وعلى سبيل المثال إن الطرفين يعرفان أن علاقة طهران بالميليشيات الشيعية في العراق تختلف تماما عن علاقاتها بقوة مثل حركة حماس رغم الأحاديث الصارخة للرئيس الإيراني احمدي نجاد عن إسرائيل.

وما ينبغي الانتباه له أيضا أن الاستراتيجية الأميركية تقوم في النهاية على الفصل بين منطقة الخليج والعراق، وبين القلب العربي للمنطقة.

وإذا كانت الظروف في العراق وفي مواجهة إيران قد حتمت على واشنطن أن تلجأ لمحاولة التنسيق بين دول الخليج وبين مصر والأردن، وإلى محاولة جذب سوريا لهذا التحالف. فإنها تتصرف باعتبار ذلك تدبيراً مؤقتاً وليس استراتيجية ثابتة، وهي لا تريد لهذا التدبير أن يصل لحدود التحالف الحقيقي في إطار عربي لأنها تدرك أن هذا لا يحقق مصالحها. ونظرة إلى الوراء إثر حرب تحرير الكويت.

حيث قام مشروع التنسيق بين دول الخليج وبين سوريا ومصر اللتين شاركتا في هذه الحرب وكان دورهما أساسيا في إعطاء المشروعية العربية للحرب، ومع ذلك فقد عملت واشنطن جاهدة على ضرب هذا التحالف بعد ذلك لأنه ضد استراتيجيتها الثابتة في محاولة الفصل بين دول الخليج من ناحية وبين دول القلب العربي في الشام ومصر من ناحية أخرى، لأن اللقاء بينهما يوفر قاعدة صلبة لمشروع عربي تراه واشنطن لا يحقق مصالحها في المنطقة، وتراه إسرائيل خطراً عليها لأنه يستعيد التوازن المفقود في القوى بينها وبين العرب.

والموقف الآن يختلف، ولكن الاستراتيجية ثابتة، فواشنطن تخوض معركتها على امتداد المنطقة، من العراق إلى لبنان إلى فلسطين، والمواجهة مع إيران كانت تستدعي تحالفاً عربياً معتدلاً في مواجهتها.

والتفاهم مع إيران يستدعي إعطاءها نصيبها من النفوذ و المصالح، ولكن في أي إطار ؟! هل في إطار الغياب العربي الذي يجعلنا ندفع ثمن المصالحة كما ندفع ثمن الحرب، أم في إطار المشاركة العربية التي ترتكز فيها دول الخليج العربي على بعدها العربي، وتكون عروبة العراق ووحدته هدفاً أساسيا؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا لأن الإجابة عليه ستحدد خطواتنا الأساسية في المستقبل وسترسم ملامح الصراع أو المشاركة في الخليج لسنوات طويلة قادمة.

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا، وهو بالقطع يشغل الأطراف الأخرى. والفرق أنهم يملكون ما لا نملك، يملكون الرؤية الاستراتيجية التي تحكم تصرفاتهم وتحدد سياساتهم الأساسية مهما اختلفت التكتيكات التي تفرضها الظروف.

وفي هذا الإطار، فإن رحلة الرئيس الأميركي القادمة للمنطقة سوف تكون فرصة للتأكيد على الثوابت في الاستراتيجية الأميركية للمنطقة، وعلى تحديد مسار سياسة واشنطن في التعامل مع التحديات المطروحة عليها في المنطقة في العام الأخير مع ولاية الرئيس الأميركي.

ولكن ماذا عن باقي أوضاع المنطقة، وخاصة لبنان وفلسطين، وهي التي تحتل الواجهة في الحديث الإعلامي عن رحلة الرئيس الأميركي الذي يستبق الرحلة بتهديد سوريا والحديث عن فرض الحل في لبنان بعيداً عن التوافق الذي كان قد قطع شوطاً كبيراً، والذي يعد بإنجاز «تاريخي» في القضية الفلسطينية؟

تسليط الأضواء على الأوضاع الفلسطينية واللبنانية لا يعني أن الأولوية ستكون لهما، فالإدارة الأميركية تدرك جيداً أن التعقيدات في لبنان ستستمر لفترة طويلة، وحتى لو انتهت قضية انتخاب الرئيس اللبناني، فالأمر هنا يتعلق بمجمل الصراع في المنطقة. ولا أظن أن واشنطن يزعجها كثيراً النفوذ الإيراني هناك، فهي تعرف انه أمر طارئ ومؤقت، بعكس النفوذ السوري، ومن هنا فإن الأمر سيتعلق بضبط العلاقة بين واشنطن ودمشق، وهو أمر سوف يستغرق وقتاً وجهداً وضغوطاً متبادلة كما يحدث الآن.

أما فلسطين التي تضعها الإدارة الأميركية في مقدمة أهداف رحلة الرئيس وسياسة أميركا في المنطقة في هذه المرحلة. فكل الأطراف تعرف حدود المحاولة الأميركية التي يعد فيها بوش بحل ينهي الصراع خلال العام الأخير من ولايته، فلا الرئيس الأميركي يملك أوراقاً للضغط على إسرائيل وهو في وضعه البائس، ولا إسرائيل راغبة في سلام حقيقي تعيد فيه الأرض وتنهي الاحتلال، ولا القيادة الفلسطينية قادرة على تقديم التنازلات المطلوبة وأولها الاعتراف بـ «يهودية» الدولة الإسرائيلية، وهو ما يعني التنازل عن حق العودة، بل والتهديد بـ «ترانسفير» جديد لعرب 48.

والنتيجة، وعد بمساعدات مالية للسلطة الفلسطينية بعدة مليارات لن تغير شيئاً من الواقع الفلسطيني المرير في ظل الاحتلال والحصار والتجويع، صحيح أنها ستمنع انهيار السلطة ولكنها لن تحل شيئاً من المشاكل الأساسية. وهي لن تعني شيئاً إطلاقاً إذا كان المقابل لها استمرار الاحتلال، واستمرار بناء المستوطنات أو توسيعها، واستكمال تهويد القدس وبناء الجدار العنصري العازل. بينما المطلوب أن يستمر التفاوض من أجل قضايا الحل النهائي الذي لن يكون إلا تقريراً للأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل.

وقد كنت أتصور أن يعلن الجانب الفلسطيني رفض التفاوض ما لم يتوقف تماما بناء المستوطنات، فإذا بالرئيس الفلسطيني يكتفي بأن الجانب الفلسطيني سوف يصر في كل جلسة تفاوض على أن يكون وقف الاستيطان هو البند الأساسي فيها، يعني أن يستمر بناء المستوطنات، ويستمر التفاوض.

ويستمر الجانب الفلسطيني في تسجيل موقفه، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ووقانا من مآسي التفاوض حين تختل موازين القوى، وحين يكون الراعي للتفاوض منحازاً حتى النخاع للطرف الأقوى، وحين يصبح السلام مرادفاً للتنازل عن الحقوق، وحين ننتظر المعجزات من الرئيس الأميركي الذي ينتظر بدوره «المعجزة» التي تخرجه من المأساة التي قاد بلاده إليها!

كاتب وصحافي مصري