قالت لي جدتي: «الكلمة الزينة كلمة والكلمة الشينة كلمة، الكلمة الزينة لها ثواب والكلمة الشينة عليها عقاب، فقل الزينة ولا تقل الشينة». وقالت لي جدتي: «كل عراك هو بين حق وباطل، وبين معتد ظالم يهاجم ومعتدى عليه مظلوم يدافع فانصر الحق ولا تنضم إلى الباطل وانصر المظلوم وواجه الظالم».

كنا صغاراً نلتف حول جدتي العجوز كلما أعدت مجلسها وسط العائلة داعين إياها أن تروي لنا المزيد من الحكايات الغنية بالحكمة والعبرة تحبيبا في الرحمة وتقبيحا للقسوة، وتحذيرا من الظلم وتشجيعا على العدل ، كانت حكاياتها تجمع مابين التربية والتسلية والتحقيق والتشويق، وأبطالها دائما كانوا ثلاثة نماذج رئيسية الأول يمثل الخير المنتصر والثاني يمثل الشر المنحر والثالث إما يكون المنافق النادم أو المعاقب أو يكون الضحية البريئة الذي يجني الخير في النهاية بعد طول صبر وكفاح .

كانت كل حكاية خيالية أو واقعية من حكاياتها المصرية التي امتزجت فيها الأسماء العربية بالقيم الإسلامية ذات الدلالة تضيء طريقا لطفل صغير إلى الإيمان المنير ليعرف أنه لا أمان بلا إيمان ولا دنيا لمن لم يحيى دينا، وليكون مظلة أمان لاستخدامات العلوم أو لتقنيات الإعلام، وإلى العلم النافع ليصير مشروع عالم بناء وإلى الإعلام الصادق ليكون إعلاميا ينشر الحقائق وينتصر للحقيقة.

وسألت نفسي ترى ماذا تحكي الجدات في الشمال الظالم عن الجنوب المظلوم لأطفالهن، وماذا ستحكي الجدات الإسرائيليات مثلاً لأطفالهن من حكايات يمكن أن تقدم اغتصاب أراضي الغير بالقوة وطرد الأهالي من بيوتهم خارج الأوطان وسرقة أوطانهم وسفك دماء الشيوخ والنساء والأطفال الأبرياء وحصار وتجويع السكان في فلسطين باعتباره خيرا، وكيف يمكن أن يكون المطالب بوطنه المسروق و المدافع عن حقه المغتصب بالقوة شريرا إرهابيا مجرما ؟!

وترى ماذا ستحكي الجدات الأميركيات في المستقبل لأحفادهن عن تبرير القصف اللا إنساني البشع لمئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ في مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية أو ماذا ستروي حكايات الفظائع الشريرة لقوات في إمبراطورية الخير في عدوانها بالقصف بالصواريخ والطائرات والقنابل النووية الصغيرة ضد الأبرياء المدنيين في دول «محور الشر»، وفى احتلال أراضي العراق وأفغانستان والصومال؟!

وترى كيف ستحكي الجدات البريطانيات لأطفالهن في المستقبل عن إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق وطن الشعب الفلسطيني، وبأي جريمة يدفع الشعب الفلسطيني ثمن جريمة الحروب الأوروبية، وجريمة نازية لم يرتكبها ؟!.. وماذا سيكون وصف المشاركة في العدوان الأميركي على الشعب العراقي بمزاعم كاذبة في تلك الحكايات خيرا أم شرا، حقا أم باطلا، كذبا أم صدقا؟!

وأخيرا ماذا ستقول الجدات الفرنسيات لأطفالهن عن حكاية الجرائم الفرنسية البشعة في الجزائر، وعن تمجيد الاستعمار ورفض النطق للشعوب بالاعتذار، وعن «حقوق الإنسان» للأطفال الفرنسيين الأبرياء في حكايات، التواطؤ على تهريب المدانين في حقوق الأطفال الليبيين الأبرياء الذين حقنتهم الأيدي الأوروبية الرحيمة بالإيدز، وعن الجريمة الشريرة بخطف الأطفال السودانيين والتشاديين على أيدي جمعية «آرش دي زوي» الفرنسية الخيرية جدا جدا باعتباره عملا خيريا؟!!

وأخيرا نتساءل.. إذا كان قتل وخطف الأطفال العرب والمسلمين هو عمل خيري في عرف الرئيس ساركوزي والجمعية الخيرية الفرنسية بدليل المطالبة بتسليم المدانين الفرنسيين بحجة قضاء العقوبة التي قررتها المحكمة التشادية لتهريبهم على غرار ما حدث مع المدانات البلغاريات بتواطؤ فرنسي، فماذا ستكون طبيعة الأعمال الخيرية للقوات الفرنسية في تشاد سواء المقيمة الآن أو القادمة بذريعة المساعدة الإنسانية لسكان دارفور في الصراع الذي أشعلته واشنطن وباريس، والهدف طبعا هو نفط السودان وأفريقيا ويورانيوم دارفور وتشاد وليس الديمقراطية ولا الحقوق الإنسانية ؟!

هل نسأل الجدات الفرنسيات، أم نسأل الرئيس «ساركو» وهو بإجازته البحرية مع عشيقته الإيطالية في «شرم الشيخ» المصرية؟!.. وان كانت حكاية «ساركو» الدون جوان هى الآن الحكاية الفرنسية الأولى بالرواية !

mamdoh77t@hotmail.com