قصف الجيش لقواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، خلق أزمة بين قيادات كرد العراق والولايات المتحدة الأميركية، كما كان منتظرا.وعلى الرغم من حاجتها لهؤلاء، فإن الحاجة معهم تهون أمام حاجتها لتركيا التي هي عضو في حلف شمال الأطلسي أو هي دولة محورية كبيرة بإمكانها التأثير استراتيجيا على أي كان، وهي رقم صعب جدا في المنطقة التي تؤثر على كلّ العالم.

الأهم من هذا كلّه أن كراد العراق لا يستطيعون التصرف في أزمة كبيرة مع الولايات المتحدة، فهم يحتاجونها أكثر ألف مرّة مما تحتاجهم هي، وبالتالي فإنه مسموح لهؤلاء أن يغضبوا على أن لا يذهب الغضب بهم بعيا، ومن حقهم أن يشعروا بالأسف من تصرفاتها على أن لا يتحول ذلك الأسف الى عداوة!

ثمّ، ومن باب المنطق فما هو المطلوب من الولايات المتحدة، هل يجب أن تكبح جماح الجيش التركي الذي يواجه تنظيما إرهابيا قتل مئات الأتراك؟ وهل يعقل أن تدعو الدولة التركية أن لا تتصرف مع وضع يهدّد أمنها القومي ومع خطر دائم يربض على حدودها وفوق أراضيها؟

بالطبع، هذا كلّه لا يعقل، والسياسة ومصالح الدول لا تخضع لجبر الخواطر أبدا، إنما هي تحكمها معادلات واقعية لا مجال لتجاوزها، ولا يمكن أن تحكم السياسة الأميركية في المنطقة ومع حلفائها الكبار، تلك المعادلة التي جمعت في فترة ما بين أكراد العراق والجيش الأميركي.

إذ ليس معقولا أن تبرّر تلك المعادلة أو أن تلزم السياسة الأمريكية بشيء أو بأن تجعل منها دينا في رقبتها، أو معطى في سياساتها، على أساسه تتصرّف وعلى ضوئه تتحرّك.

وكلّ ما في الأمر أنه التقت في فترة ما مصالح الطرفين وها هي تفترق الآن على ضوء معطيات جديدة وعلى أساس حقائق أخرى بعضها تمّ تناسيها في غمرة الفرحة بإسقاط النظام العراقي السّابق، وما كادت تنجلي حتى تجلّت بعدها حقائق كثيرة مُرّة جدا ومعقّدة جدا وخطيرة جدا.

إن قضية الأكراد ستظلّ حبيسة لما يتجاوز قدرات هذا الشعب كثيرا، ليس فقط لأنها شديدة التعقيد، بل لارتباطها المباشر بمصالح متنوعة للاعبين كبار في المنطقة وفي العالم.