هكذا انغلق القبر على جثة بينظير لكن الباب انفتح على مصراعيه أمام كل الاحتمالات, إن اغتيال بينظير بوتو رئيسة وزراء باكستان السبقى وزعيمة حزب الشعب الباكستاني وضع باكستان, ذلك البلد المسلم المهم في العالم, على شفا مصير مجهول, هناك انتخابات تشريعية ستجري بعد أيام, ومن المقرر أن يخوضها حزب بينظير.. فهل سيشارك حتى بعد اغتيال الزعيمة؟
وماذا إذا قرر خلفاؤها عدم المشاركة, أو إذا قرروا ـ على العكس ـ المشاركة لكن أنصار الحزب في الشارع لم يذهبوا للصناديق؟ هل ستنجح الانتخابات؟ إن الحزب الأساسي الثاني في لعبة السياسة الباكستانية, حزب الرابطة الاسلامية, أعلن زعيمه نواز شريف مقاطعة الانتخابات فماذا يبقى؟
باكستان دخلت نفقا مظلما إذا؟ نعم, هي كذلك بالتأكيد, فمن أدخلها هذا النفق ياترى؟ هل هم الجنرالات الكبار الذين لا تروقهم لعبة الديمقراطية لأنها تخطف منهم كراسيهم؟ هل هم المتطرفون الدينيون الذين وجدوا في بينظير حجر عثرة أمام استمرار نفوذهم الفكري والعقائدي, وما يترتب عليه من مصالح مادية لا نهائية؟ .
هل وراء الاغتيال قوى دولية معينة يهمها إضعاف باكستان وما تمثله, في العالم الإسلامي من إلهامات وأحلام, خاصة أن باكستان هي القوة الإسلامية النووية الوحيدة الآن في العالم؟ أم أن الإرهاب الأسود المتلفح بعباءة الدين هو الذي فعل كل هذا؟ لو فكرنا قليلا لاكتشفنا أن هؤلاء جميعا تعاونوا( دونما اتفاق بينهم أو ترتيب) على إقحام باكستان في النفق الدامي الرهيب.
ولو أننا فكرنا أكثر وأكثر لاكتشفنا أيضا أن هذا المخطط الشيطاني( غير المرتب له مسبقا!) سيمد أصابعه النارية الى قطع أخري كثيرة على رقعة الشطرنج الاسلامية الشهية التي يسيل لها لعاب الكثيرين الان. تريد الأدلة؟
اليك مايجري في العراق مثلا.. أو في أفغانستان.. أو في فلسطين او في الصومال أو في السودان ثم اليس لنا أن نسأل: وهل لبنان أو الجزائر أو إيران.. وغيرها.. ببعيد عن هذا التصور؟ هي نظرية المؤامرة إذا؟ ولماذا لا؟ اليس تاريخ الإنسانية إلا حلقات متتابعة من الصراع؟
وما المخرج؟ هذا سؤال يجب توجيهه الى الباكستانيين أنفسهم.. لكن لا مانع أيضا من توجيهه الى بقية الفرائس المستهدفة بالأكل وماالمخرج؟ دعونا الآن من لغة الشجب والإدانة والتوصية بضبط النفس والتزام الهدوء.. إنها لغة تعودنا عليها وأدمناها, ومع ذلك فهي لن تغني ولن تسمن من جوع, ما الحل إذن؟ هل يمكن الحديث ـ كأحد الحلول ـ عن ضرورة تحري منتهى الوعي واليقظة والفطنة لما يحاك لها؟
اليس من الضروري الإصرار على مزيد من الديمقراطية ومشاركة الناس في السلطة؟ اليس من الضروري التنبيه هنا الى حتمية تطوير التعليم والبحث العلمي وتشجيع الحرية بكل أصنافها وأنواعها؟
ثم.. ما المانع من سعي جميع المستهدفين الى التوحد لدرء المخاطر المحيقة بهم, أتراه ضربا من الأحلام والوهم أن نجلس معا ونتناقش؟ إن حكماء الأمة وزعماءها مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضي بالوقوف دقيقة مع النفس, ليس للحداد والبكاء وتبادل التعازي, بل للتفكير والتدبر.
باكستان مثل أفغانستان مثل إيران مثل السودان مثل لبنان.. ليس السكين ببعيد عن الرقاب.. فهل نتقي الذبح بالوحدة؟ الفرصة مازالت قائمة, ولدينا كل الامكانيات.. لا ينقصنا المال فهو كثير, ولا الأراضي الزراعية فهي وفيرة, ولا البشر فهم كثيرون, ولاالعقول فانها منتشرة في كل بقاع الأرض يبنون ويعمرون لكن في بلاد الاخرين! ما الذي ينقصنا إذن؟ نجلس معا ونفكر. مهم جدا أن نفكر معا وبصوت مرتفع.. فهل نفعل؟ إن ذلك هو السبيل الوحيد للخروج من النفق المظلم!
