توارث الناس مقولة "إن ما بين العبقرية، والجنون خيط رفيع يربطهما" ومع عدم واقعية هذا التوصيف إلا أن عبقرية القتل التي أخذت اتجاهاً جنونياً يسكن العالم الإسلامي، تحول إلى مبدأ للسفاحين، وما حدث في باكستان ل"بي نظير بوتو" لا يوضع في دائرة الخلاف على تقاسم المناصب أو ثارات المتحزبين أو الغيرة من الآخر، عندما تتم التصفيات كحل للنزاعات، وإنما تحتها ألف غطاء لم يكشف.

في تصوري أن المتسابقين على كرسي الدولة ليس لهم مصلحة من توديع بي نظير إلى مثواها الأخير، وإلا جاء الثأر من جنس العمل، وحتى لو كان "أ" "مع الأميركان"، وباء مع التيار الأصولي، والثالث بين بين فإن مصلحة باكستان فوق هذا التعامل إذا أريد لها أن تماثل جارتها الهند التي تظل تعقيداتها الدينية والاجتماعية أكبر وأخطر من باكستان.

لكن الديموقراطية عندما تكون القاضي والحاكم وفق التساوي بالحقوق والواجبات، فإنه لا يوجد من يستطيع اللعب على شعور الأقليات أو اتخاذ الإرهاب سلوكاً وايديولوجية ينزع حق الخصم حتى في الحياة.

من يلعب خلف الجميع في البلد الإسلامي الكبير، يحرك الخصوم والأضداد، ويفتح الجبهات ويتآلف مع وجاهة فلان ضد علان ثم يتغلب على الاثنين في تحالف آخر، وكيف أصبح الجميع ضحية الثقة أو الاستسلام لقوى خارجية تمهد لتمزيق أرض باكستان إلى مذاهب وقبائل لمصادرة قواها وإمكاناتها التي تعتبر بعثرتها جزءاً من أهدافها في خلق الفوضى المدمرة.

محنة آل بوتو تشبه عائلة غاندي، كلتا العائلتين ذهبتا ضحية الحكم، وقد يرى أنصارهما أن التضحيات التي قدماها تعتبر تاجاً وعملاً بطولياً في سبيل الوطن، ومع ذلك فقد يكون قتل بي نظير لغايات أعم وأهم إذ ان انقسام الشعب في باكستان، والذهاب إلى عدم الاستقرار حتى بوجود جيش قوي قابل للانقسامات، فإن هذه الأحوال قد تدفع بالدول الكبرى أن تعلن عن أهدافها لغايات لم تكن واردة في ذهن من يقتل أو يحاول اقتسام غنيمة الحكم عندما تفرض بالقوة، والضغط نزع سلاحها النووي الذي يعتبر الهدف الأساسي لكل ما يجري في البلد المسلم.

فإسرائيل، والهند على قائمة الدول التي تنادي بوضع باكستان على لائحة الدول الأكثر خطراً، طالما ضعف أمنها الداخلي وانتشار قوة القاعدة وطالبان على حدودها وفي بنائها الاجتماعي الداخلي، وإذا لم تدرك الرؤوس الكبيرة، وقادة الجيش والفاعلون في التأثير على الجماعات الدينية، وغيرها، أن الأوضاع خطيرة وحرجة .

وأن الحضور الدولي في عمق النسيج الباكستاني المدفوع بالعديد من الأهداف، فإن كوارث هائلة قد تحدث بما فيها الحروب الأهلية التي تؤدي للتقسيم، وفرض حصار عسكري خوفاً من انتقال قوتها النووية إلى المتطرفين الإسلاميين، وهي الذرائع التي قد تضع باكستان بدلاً من المواجهة الداخلية، وحصرها بين الخصومات القائمة إلى مواجهة مع العالم، وهنا ربما تفقد تماسكها وحتى استقرارها..

طريق الديموقراطية لا يمر عبر التصفيات وخلق الخصوم، وإنما الإجماع على المصالح الوطنية والتضحية من أجلها بقابليات الإصلاح، لا الهدم..