على مدار السنوات الأخيرة بدأت العديد من كبريات الشركات العالمية المنتجة للسيارات في توظيف استثمارات في السوق الروسي، من خلال إقامة وحدات صناعية لتجميع السيارات. وقد تنامى هذا التوجه لدى الشركات اليابانية والألمانية بعد ازدياد معدلات استيراد السيارات إلى روسيا.

وفق بيانات إدارة الجمارك، فقد دخل إلى السوق الروسي خلال عام 2007 أكثر من مليون سيارة تجاوزت تكاليف استيرادها 14 مليار دولار، وكشفت هذه البيانات عن ارتفاع حجم استيراد السيارات إلى روسيا. وتشير توقعات اتحاد منتجي السيارات في روسيا أن يصل حجم استيراد السيارات الأجنبية حتى عام 2010 إلى 4 ملايين سيارة، بل إن خبراء الاتحاد يتوقعون أن يصل أجمالي حجم الاستيراد خلال الربع الأول من العام المقبل والعام الحالي إلى أكثر من 2 مليون سيارة.

وكان حجم مبيعات السيارات الأجنبية في روسيا قد ارتفع في النصف الأول من العام بنسبة وصلت إلى 67%.

وتشير التقديرات الأولية إلى تراجع مبيعات شركة «لادا» إلى المرتبة الثالثة، بينما احتلت شركة «تويوتا» اليابانية المرتبة الأولى حيث تجاوزت مبيعاتها 6 مليارات دولار، وتلتها شركة «فورد» الأميركية والتي تجاوزت مبيعاتها 3 مليارات دولار.

وقد رصد الخبراء تقلص مبيعات شركة «افتو فاز» الروسية لصناعة السيارات بنسبة تزيد على 5% ليصبح اقل من 410 آلاف سيارة سنويا.

بالرغم من ازدياد مبيعات الشركة بنسبة تزيد على 24% مقارنة بحجم مبيعاتها في العام الماضي.

يؤكد الخبراء أن آفاق سوق السيارات الروسية واعدة، وتشهد ازديادا ملحوظا، ومن المتوقع أن يبلغ حجم التداول التجاري فيها في عام 2010 أكثر من 30 مليار دولار في هذا السوق، بعد أن حقق خلال عام 2007 أكثر من 23 مليار دولار. إضافة لحجم المبيعات في سوق السيارات الشاحنة تكشف هذه الأرقام على أن سوق السيارات الروسية من أكبر الأسواق العالمية.

ومما لاشك فيه أن توسع سوق السيارات في روسيا وارتفاع معدلات مبيعاتها قد استقطب العديد من الشركات الأجنبية التى بدأت على مدار السنوات الأخيرة في تشييد وحدات إنتاجية. وكانت شركة «تويوتا» قد أعلنت عن استثمار 250 مليون دولار في السوق الروسي حيث تم افتتاح مصنع للشركة في مدينة سانت بطرسبورج، وأعلن ممثلو الشركة اليابانية ان الإدارة تنوى زيادة استثماراتها تدريجيا.

وتقدر الطاقة الإنتاجية للمرحلة الأولى للمشروع بحوالي 20 ألف سيارة سنويا يمكن مضاعفتها فيما بعد، على أن تصل إلى 200 - 300 ألف سيارة على المدى البعيد.

وتفيد البيانات الرسمية أن 3 شركات أجنبية ستقوم بافتتاح ثلاثة مصانع على التوالي لتجميع منتجاتها في روسيا. وقد افتتحت الشركة الألمانية المتحدة «Volkswagen» مصنعها لتجميع السيارات في ضواحي كالوغا. وقد وضعت إدارة المصنع خطة لتجميع سبعة موديلات من سياراتها من ماركتي «VW» و«Skoda».

ومن المتوقع أن يبلغ حجم إنتاج المصنع 150 ألف سيارة سنويا مع إمكانية مضاعفة هذه الكمية. وفى أوائل العام القادم سيتم افتتاح مصنع لإنتاج سيارات «Fiat Ducato» في إقليم تتارستان. ولم يقتصر نشاط الشركات الغربية في السوق الروسي على تجميع السيارات، وإنما توسع ليشمل تسويق هذه المنتجات في تواصل مباشر مع المستهلك.

حيث تم افتتاح أكبر صالون لبيع سيارات Chrysler في أوروبا في مدينة تيومين السيبيرية، وتبلغ مساحته 5 .4 آلاف متر مربع. وبلغت تكلفة المشروع 5 ملايين دولار. وسيعرض الصالون سلسلة من المنتجات الأميركية منها: Dodge Nitro، Dodge Avenger، Jeep Compass، Jeep Liberty، ومن المتوقع أن تتراوح مبيعات الصالون في العام القادم بين 200-230 سيارة.

ويعتقد الخبراء أن حجم إنتاج السيارات الأجنبية حتى عام 2010 سيصبح أكثر من مليون سيارة سنويا، ويمكن أن يزداد حجم إنتاج السيارات الأجنبية في روسيا إذا تجاوبت الحكومة مع آراء المختصين، وأصدرت قرارا بخفض الرسوم المفروضة على استيراد أجزاء السيارات التي يجري تصنيعها في روسيا.

ومما لاشك فيه أن تنامي استثمارات كبريات الشركات الغربية المنتجة للسيارات في روسيا له العديد من الايجابيات الحيوية، التي ستنهض بالاقتصاد الروسي، باعتبار انها ستوفر الأساليب التقنية المتطورة لإنتاج السلع العصرية التي تتطابق مع المقاييس الدولية للجودة والمتانة. ومن شأنه أن يولد طلبا ثابتا على المكونات في نفس هذا المستوى من الجودة والتقدم التكنولوجي. إضافة إلى أنها ستوفر الآلاف من فرص العمل.

وقد لجأت وزارة الصناعة والطاقة ووزارة التنمية الاقتصادية والتجارة بصورة واعية إلى نبذ وصفات إحياء صناعة السيارات الوطنية عن طريق زيادة رسوم استيراد السيارات الجاهزة سواء الجديدة أو المستهلكة إلى مستوى يمنعه عمليا. وترافق هذا مع ارتفاع في أسعار المنتجات الروسية.

ولابد من القول أن نمو الاستثمارات في السوق الروسي، والذي لا يترافق مع تطوير المنتجات الروسية لكي تصبح منافسة للمنتجات الأجنبية يهدد بشكل واضح بتدمير صناعة السيارات الروسية، بدلا من النهوض بها.

وبعملية حسابية بسيطة سنجد أن حجم مبيعات السيارات في روسيا بلغ العام الماضي حوالي مليون ونصف مليون سيارة أكثر من 34% منها سيارات أجنبية، وارتفعت هذه النسبة في العام الحالي لتزيد على نصف المبيعات، في نفس الوقت الذي لا يزيد إنتاج المصانع الروسية على 800 ألف سيارة، بل إن هذه المصانع بدأت تقلص إنتاجها، بعد زيادة أسعاره.

علما أن هذه المصانع في السنوات السابقة لم تكن قادرة على تغطية احتياجات السوق المحلي، ولم تعد شركة«افتوفاز» الروسية التي يعمل بها أكثر من 90 ألف عامل وتعتبر من أكبر مصانع السيارات في العالم ، لم تعد هذه الشركة قادرة على الحفاظ على نفوذها في سوق السيارات الروسي بعد أن رفعت أسعار منتجاتها من 7-11 ألف دولار لسيارات الركاب. فيما اضطرت شركة «فولجا» للتوقف عن الإنتاج بعد أن تكدست منتجاتها في المخازن.

إن سياسة الحكومة في جذب الاستثمارات لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار توجهات الدولة الساعية لإحياء الصناعة الروسية، والنهوض بفروعها، واذا كنا سنرفض الأساليب القديمة في حماية المنتجات الوطنية، فلابد من دعم المنتج الوطني ماديا وتقنيا، أي تطويره ليصبح منافسا، وخفض اسعاره (بدلا من زيادتها) لترويجه.

ان ما يثير القلق على مستقبل صناعات السيارات الروسية ليس فتح الأبواب للشركات الغربية، وإنما الإصرار على عدم النهوض بالمستوى التقني لهذه الصناعة، وزيادة أسعارها، ما يدفع المستهلك بالقوة لشراء المنتجات الغربية. إن سخرية الموقف تتجلى في إعلان بعض الشركات الغربية العاملة في السوق الروسي عن أنها لن تخفض أسعار منتجاتها التي سيتم تجميعها في روسيا، بالرغم من انخفاض تكاليف إنتاجها بشكل كبير، ما يعني أن هذه الشركات لا تجد منافسة حقيقية.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا