«سنوات عهد بلير» وثائقي بثته مؤخرًا القناة الأولى للتليفزيون البريطاني BBC، نكأ جرحاً عربياً بامتياز عن الدور الذي يمكن ـ أو يجب ـ أن يقوم به الدين في الشأن العام مروراً برأس السهم ونعني به علاقة الدين بالسياسة.

وما بدأ سجالا فكريا بمعارك متلاحقة حول كتب تؤكد أو تنفي وجود صلة بين الدين والسياسة انتهى رصاصا وقنابل حصدت الآلاف بل عشرات الآلاف من الضحايا في صراع بين دعاة الفصل ودعاة الوصل في عدد من الدول العربية. بلير صرح في الفيلم الوثائقي بأن إيمانه الديني كان له دور كبير في عمله السياسي، لكنه فضّل عدم الكشف عن ذلك خلال رئاسته للوزارة طوال عشر سنوات، لتجنب إثارة الجدل وقال: «إن من الصعب التحدّث عن الإيمان في نظامنا السياسي».

الاستقواء بالشواهد

وفي الجدال الذي بدأ يتجدد بقوة مع توقف صوت الرصاص ـ ولو جزئيا ـ بين دعاة الفصل ودعاة الوصل أصبح للشواهد المتصلة بالعلاقة بين الدين والشأن العام في الغرب أهمية كبيرة لكن الصوت الأعلى ما زال صوت دعاة الفصل التام بين الدين والشأن العام عموما بل في الغالب يتم تجاهل الشواهد التي تدعم فكرة الوصل.

ومن هذه الشواهد الدور الكبير الذي يلعبه الدين في السياسة الأميركية، فمجرد الإشارة إلى البعد الصهيوبروتستانتي للجماعات السياسية ذات المرجعيات الدينية فيها يتخوف أي محلل من الإحالة عليها كنموذج يمكن الاستفادة من دروسه، أما في بريطانيا فإن تصريحات بلير منعطف يستحق ردود الفعل التي أثارها.

ووفقًا لالستر كامبل المتحدّث الرسمي باسم بلير طوال ست سنوات، فإن تدين بلير أثّر بشكل كبير على موضوعات حديثه وقراءاته، والأشياء التي كان يشعر أنها مهمّة، لكنه كان يعلم أن الناخبين البريطانيبن كانوا يقلقون من السياسيين الذين يتحدثون كثيرًا عن الله، وأكد بيتر مندلسون حليفه السياسي والمفوّض الأوروبي الحالي للتجارة إيمان بلير.

وقال: «إن الإنجيل لا يفارق بلير، فهو يأخذه معه أينما ذهب، ومساء قبل أن ينام يقرأ مقتطفات منه»، ومن الحقائق المثيرة جدا أن بلير أعلن مؤخرا تخليه عن مذهبه البروتستانتي واعتنق المذهب الكاثوليكي الأكثر تشددًا من الناحية الدينية وهو ما يعني أن الروابط بينه وبين بوش هي في تقديس الإيمان الديني دون الانغلاق على مذهب مسيحي بعينه، وهو ما يمكن ـ بشيء من الحدس المستقبلي ـ تصور ما يمكن أن يثمر عنه عالميا إذا اتسع نطاقه ليشمل أطرافا أخرى.

أما في الولايات المتحدة الأميركية فإن ما ينقله الإعلام من تصريحات مغرقة في تأكيد دور الدين في السياسة تستحق التعليق الذي سجله كاتب عربي قال فيه: «محظوظون أولئك الساسة الأميركيون، وكذلك توني بلير، لأن هذه المواقف والتصريحات الدينية، من شأنها أن تضعهم تحت المساءلة القانونية لو كانوا مواطنين لبعض الدول العربية.

وقد تؤدّي بهم إلى السجن، وتنتهي بحرمانهم من جميع حقوقهم السياسية، لأن قوانين هذه الأنظمة العربية تُجرّم أي نشاط سياسي تكون له دوافع أو صبغة دينية، وتفرض على كل مواطن يشارك في الشأن السياسي العام ألاَّ تكون لمشاركته ـ أيًّا كانت ـ صلة بمعتقداته الدينية»!

تفكيك التشدد

وفي حقيقة الأمر فإن التشدد الذي يتسم به موقف شرائح واسعة من النخب العربية أصبح مشكلة تحتاج إلى جهد حقيقي لتفكيكها بشكل صبور، فهذه الثقة المبالغ فيها في العلمانية الشاملة، وهي ثقة تقترب من التقديس تآكلت في الغرب نفسه بعد الحرب العالمية الثانية ثم تصدعت بانهيار الاتحاد السوفييتي ليحل محلها عودة خجولة إلى الدين تتفاوت في قوتها من مكان لآخر لكنها سمة من سمات هذه المرحلة. وفي قلب «قدس أقداس» العلمانية يشتعل الحوار ساخنا حول عودة الدين إلى الحياة، فاعلا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا بعد قرون من التغييب.

وأول خطوات التفكيك إعادة قراءة الخارطة المعرفية للغرب بوصفه «قاطرة» التقدم البشري، صحيح أنه لا يستحق هذا الوصف لكن المشكلة أعمق وأخطر من التمركز حول الغرب ـ بعد خصم أميركا منه طبعا ـ بل تصل المشكلة إلى تزوير صورة الغرب تزويرا فادحا أو قل فاحشا.

ولنتأمل هذه الحقائق التي لا يعرفها كثيرون حتى من المثقفين. فبدلا من رسم صورة قارة «معقمة» من الدين ترسم الوقائع صورة قارة تقترب بشكل واع من الدين وهناك تفاوت في رؤية أعضاء الاتحاد الأوروبي حول استلهام دستور الاتحاد التراث الديني (المسيحي). فإذا أخذنا أربع دول انضمت إلى الاتحاد الأوروبي هي: بولونيا، ليتوانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، وجدنا أنها تقليدياً معاقل للكثلكة. ففي بولونيا نجد 95% يمارسون فروضهم الدينية. وفي ليتوانيا فإن الكاثوليك هم الأكثرية بنسبة 75%. وهم كذلك في سلوفينيا وسلوفاكيا حيث الانتماء القومي يتماهى بقوة مع الكثلكة.

وفي ألمانيا تشير دراسة إلى أن 20% من الألمان يهتم بالصلاة والمسائل الدينية حيث يرى نحو 70% منهم فوق 18 عاما أن الدين يمثل لهم أمرا مهما، كما يهتم 20% منهم بالصلاة والمسائل الدينية.

وذكرت الدراسة التي نشرتها صحيفة «فيلت أم زونتاج» الألمانية أن أكثر المتدينين في ألمانيا، ينتمون إلى المذهب الكاثوليكي، حيث وصلت نسبة المترددين منهم على الكنائس إلى 27% أي ضعف نسبة المترددين على الكنيسة الإنجيلية تقريبا.

وأشارت الدراسة إلى أن نسبة الألمان، الذين ينتمون إلى كنيسة الروم الكاثوليك أو الكنيسة الإنجيلية، تصل إلى 30% لكل كنيسة. وعلى المستوى العالمي أظهرت الدراسة التي أجرتها مؤسسة بيرتلسمان الألمانية أن نيجيريا تعد أكثر دول العالم تدينا حيث تصل نسبته إلى 92% من النيجيريين مسلمين ومسيحيين، فيما بلغت نسبة التدين في الهند إلى 48%.

ومشكلة تغييب الحقائق المشار إليها ليست جرد ترف معرفي يتمثل في معرفة «كم» أكبر من المعلومات بل مشكلة بناء عالم انتقائي نحدد فيه انحيازاتنا أولا بمنتهى التشدد حتى تكاد تصبح عقائد دينية أو شجرة محرمة لا يجوز الأكل من ثمرتها أبدا ثم ننتقي من الشواهد ما يؤكدها ونستقوي بهذه الشواهد.

وإذا كان هناك من يصر على أن الفصل بين الدين والسياسة مقدس فليتحمل أمام الله ثم أمام التاريخ نصيبه من المسؤولية عن الدماء التي سفكت بسبب الصراع حول الفصل والوصل، ولنتذكر جميعا أن توني بلير نفسه في قلب أعرق التجارب الديمقراطية في العالم أخفى قناعاته في هذا الشأن بسبب طبيعة النظام السياسي البريطاني، وكلما اتسعت المسافة بين النظام السياسي وقناعات الناس تزداد مساحة المزدوج بين المعلن والمخفي، وتجربتنا في هذا السبيل مريرة وملطخة بدم الأبرياء.

كاتب مصري