من يتقاتل مع من في العراق؟ وإلى متى؟ وهل يتوقف القتال ويحل السلام إذا انسحبت قوات الاحتلال الأميركي؟
الصورة باتت معقدة.. ومع مرور الأيام لا تزداد إلا تعقيداً، هناك اقتتال شيعي ـ سني.. واقتتال شيعي ـ شيعي.. واقتتال سني ـ سني، وهناك ميليشيات تقاتل ضد الاحتلال، وميليشيات أخرى تقاتل لصالح الاحتلال.
عندما اقتحمت القوات الأميركية الغازية الأراضي العراقية في عام 2003 تحت شعار «الإطاحة بنظام صدام السني» لقيت على الفور تجاوباً من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» ـ التنظيم الشيعي الرئيسي المدفوع بطموحه وأجندته لإقامة مؤسسة سلطوية لحكم العراق على أنقاض دولة «البعث» لكن مع انخراط «لواء بدر» ـ الميليشيا التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في قتال ضد الجماعات الموالية للنظام البعثي فإن هذه الجماعات تكتلت في جبهة سنية موحدة لمقاومة قوات الاحتلال والميليشيا الشيعية المتحالفة معها.
لذا كان من المحتم أن تتولد عن هذا الوضع فتنة طائفية دموية ذهبت بأرواح الألوف المؤلفة من العراقيين بعد أن استشرى القتل الجماعي على الهوية.
ومع تفاقم الاقتتال دخل على الخط تنظيم «القاعدة» أو بالأحرى «فرع القاعدة في بلاد الرافدين»، ورغم أن هذا التنظيم الذي تتكون عناصره البشرية من جنسيات مختلفة من المسلمين ذو طابع سني إلا أن أولويته القتالية هي استهداف القوات الاحتلالية الأميركية.
في هذه الأثناء دخل ميدان الاشتباكات تنظيم شيعي مستقل: «جيش المهدي» بقيادة مقتدى الصدر. ولأنه تنظيم يمارس الهجوم ضد القوات الأميركية فإنه كان من المحتم أن يدخل في اشتباكات مع لواء بدر.
ورغم أن الجيش والشرطة مؤسستان نظاميتان من المفترض أن تكونا محايدتين إلا أنهما تتصرفان على أرض الواقع وكأنهما ميليشيات شيعية. فالسلطة التي تتبعان لها يسيطر عليها الائتلاف الشيعي.
«مجالس الصحوة» هي أحدث التنظيمات القتالية، ورغم أن هذا التنظيم يتكون من عناصر عشائرية سنية إلا أنه تشكيل مناوئ للجماعات القتالية السنية الأخرى بما في ذلك مجموعة «المقاومة الإسلامية» وتنظيم «القاعدة»، ذلك أن «مجالس الصحوة» ابتداع أميركي، فالسلطة الاحتلالية هي التي أشرفت على تشكيله وتتولى أمر تمويله وتسليحه، ومن المثير أن الائتلاف الشيعي الحاكم ينظر إلى هذا التنظيم بعين الريبة متخوفاً من أنه كتنظيم سني قد ينقلب في المستقبل ليصير قوة مناوئة للميليشيات الشيعية.
وبعد.. لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنهاية لهذا الاقتتال متعدد الأطراف، ولا يلوح في الأفق أي مؤشر قريب بنهاية سلمية ما، وماذا يحدث في حالة انسحاب أميركي نهائي من أرض العراق؟، من المؤكد أنه سوف يحدث فراغ. لكن من يملأ هذا الفراغ؟
هناك ثلاثة احتمالات مرجحة: سوف تقتحم تركيا الحدود بقوات برية لاحتلال كردستان العراق مع الاستيلاء على مدينة كركوك.. قلب الإنتاج النفطي في الشمال العراقي.
الميليشيا الشيعية في الجنوب سوف تستولي بالكامل على منطقة البصرة.
تتوحد التنظيمات السنية ـ «المقاومة الإسلامية» و«القاعدة» و«مجالس الصحوة» للدخول في معركة مصيرية مع ميليشيات الائتلاف الشيعي حول من يحكم العراق ـ الأمر الذي سوف يستدعي دخول إيران من ناحية ودول عربية من ناحية أخرى.. ليبدأ فصل جديد.
ولن يستريح العراق في المستقبل المرئي؟