مشهد تشييع جثمان بنازير بوتو زعيمة حزب الشعب أمس في جنازة مهيبة، لم تخدشه رصاصة طائشة، جسّد قدرة باكستان في التغلب على عدوها اللدود (الإرهاب الأعمى)، ورسم أفقاً لخروج هذا البلد الإسلامي المحوري من نفق العنف العبثي، والمواجهات مع قوى ظلامية، تتخفى ـ بقصد أو بدون وعي ـ خلف شعارات إسلامية، الإسلام منها براء.

فهذه الجماعات الإرهابية أو المتطرفة تستخف بالحياة وتستسهل القتل والاغتيال وتبيح إراقة دم المخالفين في الرأي، خلافاً لسماحة الإسلام وعقلانيته واعتداله، وإعلائه لقيمة حياة الإنسان وكل كائن حي. وتجعل قتل فرد بريء بمثابة قتل الناس جميعاً، كذنب لا يغفر بل يورد مرتكبه موارد الهلاك ويرديه في الدرك الأسفل من النار.

ومثلما ينبلج ضوء الفجر من حالك الظلام ويهتك ستر الليل، نرجو أن يتحول الحزن والحداد على اغتيال بنازير إلى نور يهدي باكستان إلى طريق الاستقرار والوحدة بين أبنائها للتغلب على الإرهاب. وينطلق الأمل من خبرة باكستان التاريخية في قهر الصعاب وتحويل الأحزان إلى أفراح، ولم الشمل بعد انفراط العقد.

حدث كثيراً أن تجاوزت باكستان أصعب اللحظات، منذ قيامها على يد القائد الأعظم محمد علي جناح، واهتداء بحكمة فيلسوف البنجاب الشاعر محمد إقبال. حيث اتخذت من الإسلام هوية وجعلت الإيمان والانضباط والوحدة شعاراً للدولة.

فعندما أطيح برئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو وأعدم في انقلاب الجنرال ضياء الحق، ظن كثيرون أن باكستان لن تقوم لها قائمة من عثرتها، إلا أنها تخلصت من الكابوس، واستعادت قوتها وعنفوانها الديمقراطي ووحدتها.

والحاصل أن باكستان ظلت طيلة الستين عاماً من ظهورها كدولة متعددة الأعراق والطوائف محافظة على هويتها الإسلامية، إلا أنها دفعت الثمن لقاء تراكم الأخطاء في طريقة التعريف وتعليم الإسلام، وبدلاً من أن تخرّج نحو 40 ألف مدرسة دينية دعاة ينشرون التسامح والاعتدال والعقلانية، ويظهرون وجه الإسلام الوضيء خرّجت بدلاً من ذلك شراذم من القتلة الذين يندفعون ـ بحسن نية ـ إلى ترويع الناس وينصبون أنفسهم قضاة، ويتولون دوراً ليسوا مؤهلين له وهو إقامة الحدود، التي قصرها المشرع على الإمام.

وجاءت الطامة الكبرى إبان قيام باكستان باحتضان جماعة طالبان وأنصارها خلال ثمانينات القرن الماضي، حيث أفرخت عملية الاحتضان جماعات باكستانية مناصرة للعنف والإرهاب، خلقت الكثير من الملاذات الآمنة ووسائل الدعم والتمويل، وتحولت إلى دولة داخل دولة، بالطريقة التي تجلت في حملات تلاميذ المسجد الأحمر (لال مسجد) ومداهمة المكتبات ومحلات بيع الأشرطة المدمجة، والنوادي الصحية في قلب العاصمة إسلام أباد، بل وخطف عاملات صينيات.

في سياق تداعيات الحرب الأميركية على الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وجد الجنرال برويز مشرف نفسه بين سندان الإرهاب ومطرقة الضغوط الأميركية. واختار مضطراً التحالف مع واشنطن إثر ورود تقارير وتهديدات بأن الإدارة الأميركية تدرس توسيع الهجوم على أفغانستان إلى باكستان والسيطرة على الترسانة النووية.

والشاهد أن حرب إدارة مشرف على الإرهاب وتجفيف منابعه شوّش عليها تحالفه مع واشنطن، حيث استغل المناوئون هذا الحلف للنيل منه، وتصويره على أنه عدو للإسلام، وبالمثل فعلوا مع بوتو التي دفعت حياتها ثمناً لشفاء بلدها من هذا الوباء الفتاك.

وخلافاً للتحذيرات التي تطلق من هنا وهناك بأن باكستان على حافة حرب أهلية، نرى أنها قادرة على لم شملها والتعافي من جراح اغتيال بنازير، على أن يتغلب قادة الأحزاب والنخبة السياسية على مطالبهم الخاصة، ويلتقوا على أجندة لانتشال البلد من خطر الإرهاب والفوضى.

على أن الخطوة الأولى التي تمكن باكستان من استعادة وحدتها واستقرارها وأمنها هي الحفاظ على الهدوء، وتجنب أعمال الشغب والمواجهات الدامية. حتى تفوت الفرصة على المتربصين بها.. وهم كثر.