على الرغم من أن لقاء القارتين الإفريقية والأوروبية والذي قيل إنه يرمي إلى إقامة شراكة تساعد إفريقيا على النهوض باقتصاداتها والاستفادة من تجارب دول الاتحاد الأوروبي التي تحولت إلى تكتل فرض وجوده في الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً وحول أوروبا إلى رقم يحسب له الحساب في الإدارة الدولية، إلا أن مثل هذه الشراكة التي تطرحها دول الاتحاد الأوروبي يصعب قبول فكرتها، لقناعتنا بأن الاتحادين الإفريقي والأوروبي لا يستندان إلى أرضية متكافئة تسمح بإنجاح الفكرة مستقبلاً.

فأوروبا وصلت إلى مرحلة متقدمة من النمو الاقتصادي والاجتماعي وأسست لنفسها كياناً وحدوياً فرض وجوده في السوق الدولية ويزاحم اقتصادات القوى الدولية كالولايات المتحدة الأميركية واليابان والصين حتى أصبحت عملة اليورو الأوروبية العملة الرئيسية في سلة العملات وأطاحت بمكانة الدولار إلى مستويات متدنية إلى حد أرغم عديد الدول التي تتعامل بالدولار إلى مراجعة حساباتها خشية اهتزاز اقتصاداتها.

في المقابل تظهر دول الاتحاد الإفريقي المثقلة بالديون والمشكلات السياسية والأمنية والصحية عاجزة عن التكيف مع حركة الواقع الدولي الجديد، فهي دول تقتات من قروض البنك الدولي ومعونات صندوق النقد ومنظمات الإغاثة والمساعدات الإنسانية وقد فقدت بوصلتها في نظام دولي جديد لا يعترف بالدول المتهالكة والمهزوزة سياسياً وأمنياً.

صحيح أن الدول الإفريقية نجحت إلى حد ما في تأسيس كيان مؤسساتي علها تجد حلاً لمشكلاتها التي كان سببها الاستعمار، ومع ذلك فقد كانت هذه الدول سبباً أيضاً في تعفن وضعها الداخلي، فقد كان ثلة من الديكتاتوريين ينهبون ويقتلون ويشردون وحولوا إفريقيا إلى مجتمع كبير تعمه الفوضى، حيث توسع الفقر وعم الجهل والمجاعة وانتشرت الأمراض والأوبئة، والأخطر من ذلك أن إفريقيا حولت أراضيها «مرغمة» إلى مخزن للنفايات النووية إلى تلقي بها الدول الصناعية الكبرى.

هذه هي إفريقيا التي تريد أن تكون شريكاً استراتيجياً لأوروبا الموحدة!! تتعامل معه نداً لند، ومع الإقرار أن أوروبا لن تتوان في تقديم بعض من المساعدات لذر الرماد في عيون القادة الأفارقة وإيهامهم بأن يد أوروبا لا تزال ممدودة لهم كما كانت ممدودة في العهد الاستعماري، إلا أن ما تريده أوروبا وتعمل عليه هو أن تبقى إفريقيا تابعة لمنطقة الفرنك الفرنسي والجنيه الإسترليني ولن يمكن لها أن تتحرك خارج المظلة الأوروبية.

إن أوروبا تريد أن تؤسس لها مكاناً رئيسياً في النظام الدولي الذي بدأ يتشكل عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية في أوروبا ومنافسة الولايات المتحدة الأميركية التي تريد ان تتفرد بالإدارة الدولية.

كما أن الخوف كل الخوف من أن تبسط الولايات المتحدة الأميركية نفوذها على أسواق العالم الراهن الذي أصبح فيه الاقتصاد والتقنية والاتصالات محددات رئيسية لقوة الدول وهذا ما انتبهت إليه أوروبا وراهنت من أنه سوف لن يكون لها مكان في هذا العالم الشديد التداخل والترابط إن هي لم تحسن اللعبة وتسارع إلى التقرب من مناطق نفوذها القديمة.

فالعالم يشهد عملية توزيع للأدوار بين القوى الكبرى شبيهة بما حدث قبل الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية والدول المغلوبة على أمرها تتفرج غير قادرة على معارضة ذلك لأنها فقدت توازنها وأصيبت بخلخلة أبعدتها من الاهتمام بمحيطها الدولي فتفكيرها منصب على البحث عن لقمة العيش ليس إلا.

فأوروبا التي وحدت عملتها وأزالت الحدود الاصطناعية فيما بينها تريد أن تتمدد وتتوسع خارج محيطها لكي تسترد هيبتها التي فقدتها بعد الحرب العالمية الثانية، فلا فرنسا ولا بريطانيا ولا ألمانيا نسيت تاريخها الاستعماري.

وهي ترى أنها الأحق بالإدارة الدولية ليس الولايات المتحدة الأميركية ولا الصين واليابان، فالفكر الاستعماري الجديد بدأ يتبلور دولياً وإن كان هذه المرة بقواعد وآليات جديدة تتمثل في هذا المسمى بالشراكة الاقتصادية التي ظاهرها إقامة أسواق مشتركة والتعاون الأمني والعسكري وجوهرها الاستحواذ على الأسواق والتدخل السياسي.

على إفريقيا أن تعيد النظر في وضعها وتحاول أن تجد مخرجاً لمشكلاتها التي تفاقمت إلى حد حولت إفريقيا إلى برميل من البارود قد ينفجر، فمشكلات الحدود والفقر والأمية والأمراض والحريات والتعددية السياسية والتناوب السلمي على السلطة تحديات آن أوان الاتحاد الإفريقي أن يهتم بها إذا كان هذا الكيان يريد أن يؤسس لنفسه كياناً يضاهي الكيانات الدولية.

هذا إذا قلنا أن عالم اليوم هو عالم الأحلاف والتكتلات الكبرى، وأصبح من الصعب على أي دولة من دوله أن تواجه مشكلاتها بنفسها إلا بالاعتماد المتبادل وهذا ما ينبغي أن تفكر فيه إفريقيا إذا كانت تريد أن لا تقع مرة أخرى بين مخالب العملاق الأوروبي.

كاتب سياسي جزائري

Khiredine1@yahoo.fr