تسعى جميع دول الخليج العربي إلى تنويع مصادر دخلها تحسباً لعصر سينتهي فيه تدفق النفط من باطن أراضيها. وعملية تنويع الاقتصاد وخلق قطاعات إنتاجية بديلة عن النفط تستطيع المنافسة، عملية ليست بسهلة في بلداننا الخليجية، لعل أبرز معوقاتها ندرة العمالة الوطنية وصغر حجم السوق وندرة المواد الخام وغيرها.

أما العوامل الدافعة لذلك فهي الرغبة في إيجاد مصدر للثروة بديل للنفط الذي هو في طريقه إلى النفاد، فضلاً عن وجود رأس مال متراكم نتيجة الفوائض المالية من دخل النفط والاستثمارات الخارجية. ومن الواضح أن من أكثر الدول الخليجية نجاحاً في مضمار تنويع مصادرها الاقتصادية والبعد عن الاعتماد على سلعة واحدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة وعلى وجه الخصوص إمارة دبي.

حيث غدت الصناعة والسياحة تأخذ حيزاً مهماً في اقتصادها. ويبدو أن الكويت تتلكأ في هذا المضمار لتكون في آخر قائمة شقيقاتها الخليجيات، وهي للسنة الرابعة على التوالي - كما يقول الدكتور محمد السقا، أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت لجريدة الجريدة 20 /12 - آخر دولة في الترتيب من حيث جذب المستثمرين الأجانب!!

ومنذ مدة طويلة خبأ الحديث في الكويت عن عصر ما بعد النفط، ذلك الحديث الذي كان يملأ الأذان في الستينات وأوائل السبعينات، وعلى وجه التحديد مع معركة التأميم. ومما يؤسف له أن الصراع السياسي الذي نشهده هذه الأيام، والذي يؤرق الكويت ويضعها في آخر الركب، هو صراع ليس على مسائل جوهرية كهذه، بل تغيب عنها مثل هذه المسائل الحيوية والإستراتيجية التي ستحدد معالم مستقبل الكويت.

ولعل بارقة الأمل الوحيدة منذ مدة طويلة قد أتت من خطاب ألقاه مؤخراً الشيخ ناصر المحمد، رئيس الوزراء الحالي أمام منتدى الكويت العالمي في بروكسل حول مستقبل الكويت كمركز مالي.

وفي خطابه تصورات لأصحاب القرار حول الكويت في عصر ما بعد النفط، علما بأن النفط - كما قال - سيمتد معنا نصف قرن آخر ليكمل قرناً كاملاً اعتمدت فيه الكويت عليه كمصدر أساسي لدخلها وتقريباً لكامل نشاطها الاقتصادي. ولعل مثل هذا الخطاب بعث فينا الأمل بوجود اهتمام بهذا الشأن الحيوي عند «أهل الحل والعقد» في خضم هذا «الصخب السياسي» الذي تشهده الكويت حالياً.

أما لماذا يعتقد الشيخ ناصر المحمد بإمكانية تحول الكويت إلى مركز مالي فيأتي بين ثنايا خطابه الذي يذهب فيه إلى أن الكويت لديها أربعة مقومات تمكنها من تحقيق ما تصبو إليه، يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: الإنسان الكويتي الذي شيد هذا البلد بعمله وجده واجتهاده بموارد هي أقل من النادرة، مستفيداً من غريزته التجارية في صنع المال لينشئ منها منذ أكثر من ثلاثة قرون ميناءً تجارياً مرموقا.

هذا الإنسان الذي بنى الكويت من «العدم» تقريباً - أو كما يقال بالانجليزية from scratch - لاشك بقادر أن ينطلق بها ثانية وهو بين يديه احتياطيات ضخمة من النفط، وعوائد مجزية من استثماراته المالية.

ثانياً: موقع الكويت، حيث هي في شمال الخليج العربي تحيط بها ثلاثة أقطار أساسية وكبيرة، كانت فيما مضى سوقاً لتجارتها، ومحطة مهمة في طريق القوافل المتجهة إلى الشام. وهذا الموقع سيكون ثانية نقطة انطلاق لتجارة المنطقة ومركزاً مالياً لها بتكاليف قد تصل إلى مائتي مليار دينار، إذ ستبنى مدينة حديثة في الصبية (شمال الكويت قبالة العاصمة) وميناءً ضخماً في جزيرة بوبيان، وتربط المنطقة بجسر مع العاصمة طوله خمسة وثلاثين كيلومتراً.

ثم إن هذه المنطقة سيتم وصلها بالخط الحديدي المسمى تراسيكا، الذي يربط دول آسيا ببعض ويصلها بأوروبا، مع التفكير بإحياء طريق القوافل القديم، ليكون طريقاً للشاحنات وأنابيب النفط وسككاً للحديد، وليكون رابطاً بين موانئ الخليج العربي بتلك الموجودة على شواطئ البحر المتوسط.

ثالثاً: أما المقوم الآخر فهو الاستقرار السياسي (والمحمد في هذا المجال لا يقصد بهلوانيات الاستجوابات والتصيد في الماء العكر الذي نشهده هذه الأيام) بل يشير إلى حكم القانون وسيادته على الجميع في دولة الكويت: مواطنين كانوا أم أجانب، وهو ما يشكل ضمانة للمستثمر الأجنبي لضخ أمواله في المشاريع التي تحقق له ربحاً دون خوف أو وجل من تقلبات الوضع السياسي الداخلي.

رابعاً: وهو المقوم الأخير لتحول الكويت إلى مركز مالي وإلى ميناء عامر كما كانت لثلاثة قرون خلت فهو «كنوزها» المتمثلة باحتياطياتها النفطية الضخمة، التي تزداد عوائدها بازدياد ارتفاع أسعار النفط، والمقدر أن يمتد عمرها إلى نصف قرن آخر. ودرءاً للمخاطر، فهي تفكر بإيجاد طريق إضافي لانسيابه إلى الأسواق، يشق بلاد الرافدين والشام لينقل من البحر الأبيض المتوسط. وهي تمتلك إضافة إلى احتياطياتها النفطية صناديقها الاستثمارية التي ستوظف عائداتها الضخمة تحقيقاً لهذا الغرض.

هذه هي رؤية الحكومة لمستقبل الكويت أعلنها على الملأ رئيس وزرائها الشيخ ناصر المحمد، وهي رؤية طموحة بحاجة إلى نقاش بين المتخصصين وحوارات بين أبناء الكويت في دواوينهم وفي منتديات مجتمعهم المدني، وهي أيضاً بحاجة إلى تغيير أسلوب حياتنا والكثير من تشريعاتنا كي تتناسب مع تلك الطموحات.

خذ مثلاً الضريبة المفروضة على الشركات الأجنبية التي تساوي 55% في حين هي 1% على الشركات الوطنية، فهذه الضريبة هي من مخلفات الماضي، حيث كانت تطبق على شركات النفط لأسباب يضيق المقام بشرحها الآن. ولو استمرت هذه الضريبة بهذا المقدار في حين أن الضريبة بكل دول المنطقة أقل بكثير من ذلك، فلن يفكر أحد بالكويت كمجال للاستثمار!!

ولا شك أن البيروقراطية معوق آخر، وهذه البيروقراطية تكبر يوماً بعد يوم إذ إن ثمة 200 ألف موظف في الجهاز الحكومي، ويبلغ عدد الخريجين من جامعة الكويت والمعاهد التطبيقية والدورات الأخرى السبعة آلاف خريج سنويا، معظم هؤلاء يضافون إلى جيش الموظفين.

والمأمول أن جزءاً من هذا العدد يوجه إلى القطاع الخاص بالذات إلى البنوك والشركات الاستثمارية والمالية كي تتهيأ الأرضية لتطبيق المشروع الذي تطرحه الحكومة وهو تحول الكويت إلى مركز مالي، ذلك أن هذا المشروع ما زال يقع في خانة الأحلام أكثر من وقوعه في خانة الواقع.

وأخيراً، فالاستقرار السياسي مهم لجذب الاستثمارات الخارجية، فالتغير الوزاري الذي تشهده الكويت منذ مدة، وعمليات تدوير الوزراء، ثم الحديث المتكرر عن حل المجلس، تجعل من المشهد السياسي الكويتي مشهداً مضطرباً ينفر أصحاب رؤوس الأموال من استثمار أموالهم في الكويت.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com