مع القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط الخام، لتصل إلى مستويات قياسية، عادت كبرى الدول المستهلكة للطاقة إلى حديث، صريح تارة ومستتر تارة أخرى، حول ضرورة تشجيع التنقيب عن النفط وإنتاجه من مناطق غير تقليدية، خاصة في غرب أفريقيا وبحر قزوين.
لكن هذه المحاولات ليس بوسعها أن تنال، في المستقبل المنظور، من المكانة التي يحتلها النفط العربي، خاصة في منطقة الخليج، في ضوء تزايد حجم احتياطيها ليصل إلى ما يربو على 578 مليار برميل ليشكل 6 .45% مما يمتلكه العالم بأسره من هذه السلعة الاستراتيجية، فضلا عن أن نفط الخليج يتمتع بأمن نسبي مقارنة بنظيره في مناطق شتى.
ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى، خاصة منذ حدث 11 سبتمبر، إلى التحرر من النفط الأجنبي، وهناك بالفعل مشروع قدمه الرئيس بوش في هذا الصدد، فإنها لم تصل حتى الآن إلى خطة كاملة تؤكد إمكانية الوصول إلى هذا التحرر، بما يعني تقليصها لاستيراد نحو 60% من احتياجاتها النفطية من الخارج، بواقع 12 مليون برميل يوميا، في حين لا يزيد إنتاجها المحلي على 8 ملايين برميل يوميا.
ويعكس رئيس شركة التمويل النفطي الأميركية روبنسون ويست هذا الوضع بجلاء، حين يقول «لا يمكننا الاستغناء عن النفط السعودي.. هذا خيار لا يمكن تحديه. ولا يمكن لسياستنا أن تسعى إلى استبدال المملكة بروسيا مثلا.. المملكة هي الضامن الأخير والبنك المركزي لسوق النفط الذي يوفر السيولة والتأمين في الأوقات العصيبة.
إن العالم سيحتاج إلى أكثر مما يلبيه النفط الروسي ونفط غرب أفريقيا وبحر قزوين وأميركا اللاتينية وأوروبا. إنها لحقيقة مؤلمة للأميركيين أن الشرق الأوسط كان وسيظل دعامة أسواق النفط، طالما ظل العالم الصناعي يعتمد على مورد الطاقة هذا».
وجاء مسؤول أميركي آخر، وهو جون برودمان القائم بأعمال نائب مساعد وزير الطاقة، ليؤكد الأمر نفسه حين قال إن بلاده رغم أنها تنظر إلى صادرات أفريقيا من النفط الخام على أنها وسيلة أساسية لتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط، فإن أفريقيا لن تحل أبدا محل الشرق الأوسط بصورة كاملة.
وتنبع اعترافات هذين المسؤولين الأميركيين من إدراكهما أن منطقة الخليج العربي تحوي في جوفها أكثر من نصف الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط الخام الذي لا يزال، رغم ما قطع من شوط على طريق إيجاد بدائل طاقة أخرى وتعزز دور الاقتصاد الرقمي أو «الاقتصاد الناعم»، يشكل عصب اقتصاد الدول الصناعية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية.
وما يسترعي الانتباه أن أية زيادة مهمة في الطلب العالمي على النفط يلبيها النفط العربي. فحين زاد الطلب العالمي في الفترة من 1973 حتى 1979 بمقدار 6 .7 ملايين برميل يوميا، فإن نصيب النفط العربي من سد هذا الطلب كان حوالي 4 ملايين برميل يوميا. وحين زاد الطلب مرة أخرى في الفترة من 1986 إلى 1993 بحوالي 8 .4 ملايين برميل يوميا أمّن العرب 4 .4 ملايين برميل لسده.
وهذا الوضع قاد إلى اعتماد عالمي ملموس على النفط العربي كمصدر مهم للطاقة، والدليل على ذلك أنه حين انقطعت الإمدادات النفطية العراقية جراء الغزو العراقي للكويت ونشوب حرب الخليج الثانية، لجأت الدول الكبرى المستهلكة للطاقة إلى دول عربية خليجية لتعويض النقص الذي طرأ على حجم المعروض النفطي.
وتمتلك الدول العربية نحو 80% من بين صادرات الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» مجتمعة. أما الدول الإسلامية، أي بإضافة إندونيسيا، فهي التي تتحكم في أغلب إنتاج المنظمة، لا ينقصها في هذا إلا ما تنتجه فنزويلا، ونيجيريا التي يشكل المسلمون جزءا مهما من سكانها.
وإذا كانت الدول المنتجة للنفط خارج أوبك تنتج كمية من النفط أكبر من تلك التي تنتجها دول المنظمة، فإن الأخيرة تصدر الجزء الأكبر من إنتاجها، ولا تبقي لاستهلاكها المحلي إلا كميات قليلة. كما تزداد أهمية منطقة الخليج العربي بالنظر إلى ما تمتلكه من احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، ففيها دولتان هما إيران وقطر، تحتلان المركزين الثاني والثالث في هذا المضمار على مستوى العالم أجمع. كما أن أغلب دول المنطقة تعزز سنة تلو الأخرى حجم احتياطياتها من الغاز.
ورغم أن سيلا من التحليلات العربية وغيرها تحدثت مبكرا عن نضوب النفط أو انتهاء «السكرة النفطية» ومرحلة «ما بعد النفط»، فإن المؤشرات الواقعية تبرهن على أن النفط سيظل مصدرا مهما للحصول على الطاقة على مدار عقود عديدة مقبلة. فإذا كان هناك حديث طويل ومتكرر حول موارد الطاقة البديلة، فإن هذه البدائل لا تزال ضعيفة لأنها غير اقتصادية وغير فعالة أو أنها غير آمنة وغير ملائمة.
فالفحم الذي يستهلك العالم منه يوميا ما يزيد على ما يمنحه 44 مليون برميل من النفط، هو مصدر للطاقة غير فعال، فضلا عن كونه مضرا بالبيئة. والطاقة النووية التي يستهلك العالم منها يوميا ما يزيد على ما يعطيه 7 ملايين برميل نفط، هي مصدر للطاقة غير آمن، في حين أن البدائل الأخرى للطاقة المتجددة سواء كانت شمسية أم مائية وهوائية، والتي يستهلك العالم منها ما يربو على ما يكافئ 13 مليون برميل نفط يوميا، غير اقتصادية وتطويرها يلاقي صعوبات جمة.
وحتى لو تمكن العلماء من تطوير بدائل عديدة للطاقة، فإن الجوع إليها سيظل دائما موجودا في ضوء نضوب بعض الموارد الطبيعية للطاقة من جهة، وتنامي استهلاك الطاقة من جهة ثانية.
فالتقديرات تشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سيزداد خلال السنوات المقبلة، ليرتفع من 77 مليون برميل يوميا عام 2000 إلى 8 .112 مليون برميل يوميا عام 2020، أي بزيادة نسبتها 5 .46% تقريبا عما هو عليه الآن.
وفي الوقت ذاته من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي من 5 .2 تريليون متر مكعب عام 2000 إلى 7 .4 تريليونات متر مكعب عام 2020، أي بنسبة زيادة تصل إلى 88%.
كما يتوقع ارتفاع للطلب على النفط خلال العقود المقبلة يزيد من أهمية منطقة الخليج العربي مستقبلا، ما يجعل الدول الكبرى معنية تماما بضمان تدفق النفط بانتظام من هذه المنطقة، ما دامت الحاجة إليه ستزداد. وهذا يفرض عليها حماية النفط الخليجي من أي تهديد.
علاوة على ذلك تبقى شبكات نقل النفط والغاز في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هي الأكثر أمنا مقارنة بغيرها من الدول المصدرة للطاقة، خاصة دول منطقة بحر قزوين.
وهذا الوضع يضيف، على وجه العموم، ميزة نسبية إلى نفط الخليج إلى جانب الجودة وثراء المكونات وانخفاض تكلفة الإنتاج وغزارة الاحتياطيات.
وهذا يمنح، على وجه الخصوص، دول مجلس التعاون المصدرة للنفط فرصا متلاحقة لجني ثمار أي ارتفاع يطرأ على أسعار النفط في السوق العالمية حال مهاجمة أي آبار أو منشآت نفطية في منطقة بحر قزوين أو غيرها، بالنظر إلى الحساسية المفرطة للسوق حيال مختلف الأحداث السياسية والاقتصادية.
كما أن الانسياق وراء فكرة تمتع النفط الأفريقي بأمان نسبي، يبدو من قبيل التفاؤل المفرط وليس حقيقة واقعية. فدول غرب أفريقيا تعاني من انقسامات عرقية وقبلية وخلافات دينية ومشاكل حدودية وصراعات داخلية مع الأنظمة الحاكمة، تجعل من الصعب عليها أن تحظى بهذا الأمان المفترض.
وإذا كانت وسائط نقل النفط من هذه المنطقة تستمد أمانها من كونها تنطلق في البحار المفتوحة ولا تمر عبر مضايق، فإن المنشآت النفطية ذاتها عرضة لهجمات خلال أي اضطرابات تشهدها دول غرب القارة، كما أن الإمدادات النفطية ذاتها من الممكن أن تتوقف أثناء وقوع هذه الاضطرابات.
علاوة على إمكانية تعرض الأنابيب النفطية المنتشرة في بعض دول القارة لهجمات، مثل ما يحدث في نيجيريا، أو بالنسبة للأنبوب المزمع إنشاؤه لنقل النفط من جنوب تشاد إلى ميناء دوالا الكاميروني الواقع على خليج غينيا المتصل بالمحيط الأطلسي، والذي يبلغ طوله 1070 كيلومترا، وتصل تكلفته إلى 4 مليارات دولار، أو الأنابيب التي تنقل النفط الأنغولي إلى موانئ التصدير على المحيط الأطلسي.
ومن هنا فإن ما يدور في الغرب حاليا من حديث عن تهميش النفط العربي توطئة للاستغناء عنه مستقبلا، نظرا لعدم أمان الإمدادات هو أمر لا يستند إلى الحقيقة أو الواقع، لا من حيث تجربة العالم الصناعي مع الدول العربية أو من حيث أمان الدول المنتجة الجديدة، اللهم إلا إذا كان هناك مخطط مبيت لإدراج منطقة الشرق الأوسط في سلسلة من الحروب والصراعات المستمرة لسنوات طويلة.
وحتى في هذه الحالة فإن الدول الكبرى وفي مقدمتها أميركا، ستحاول أن تنأى بالنفط العربي، والخليجي منه على وجه الخصوص، عن دائرة مثل هذه الصراعات، من خلال حمايته مباشرة، الأمر الذي يستشف مما طرح بشأن النفط العراقي، حيث قامت الولايات المتحدة فور غزوها العراق بالسيطرة على الآبار النفطية في جنوب البلاد وشمالها، حتى تضمن استمرار ضخ النفط من هناك.
وإذا كانت غزارة الإنتاج والأمان النسبي تميزان النفط العربي عن نظيره في مناطق شتى مصدرة لهذه السلعة المهمة في العالم، فإن هذه الميزة تجعل العرب، خاصة في منطقة الخليج، محل أطماع دولية مستمرة، طالما بقي النفط هو المصدر الأساسي للطاقة في العالم.
كاتب وباحث مصري