تهويد أكثر من 60 في المئة من أراضي الضفة الغربية مع تهويد القدس الشرقية وضواحيها بنسبة مئة في المئة أصبح مسألة وقت فقط. ولكسب الوقت تحتاج إسرائيل إلى عملية تفاوضية وهمية مع الجانب الفلسطيني بلا جدول زمني محدد إلى أن يستكمل مشروع التوسع الإسرائيلي. ألا يدرك الرئيس محمود عباس أبومازن هذه الحقيقة التي لم يعد إدراكها بحاجة إلى استنباط؟
يوم الإثنين انفضت الجولة التفاوضية الثانية عندما طالب الجانب الفلسطيني بتجميد عمليات التوسع الاستيطاني، ورفض الجانب الإسرائيلي الطلب بعناد صريح. وعوضاً عن اتخاذ قرار حاسم بمقاطعة التفاوض أعلن الرئيس الفلسطيني أن وفده سوف يظل مصراً على أن تكون مسألة الاستيطان البند الأول على جدول أعمال الجولات التفاوضية المقبلة.
إنه موقف فلسطيني أقل ما يقال عنه أنه غريب. فالقبول الفلسطيني بالمشاركة في عملية تفاوضية عقيمة ومفتوحة المدى هو بالضبط ما تريده إسرائيل من أجل شراء الوقت إلى أن يكتمل تنفيذ مشروعاتها الاستيطانية في القدس وبقية أراضي الضفة الغربية.
عشية هذه الجولة التفاوضية الثانية أعلنت وزارة الإسكان الإسرائيلية مشروعاً لبناء 750 منزلاً في ضواحي القدس، وعلى هذه الخلفية يتواصل بناء جدار الفصل فارضاً في طريقه أمراً واقعاً جديداً بضم المزيد من الأراضي والقرى ومناطق مصادر المياه الفلسطينية لتكون تحت السيادة الإسرائيلية.
تأسيساً على هذه الحقائق فإن مواصلة الجانب الفلسطيني المشاركة في جولات العملية التفاوضية ومع الإصرار الإسرائيلي العلني على رفض تجميد عمليات التوسع الاستيطاني يعتبر أمراً غير مفهوم. أجل، لقد تبارت الشخصيات القيادية في السلطة الفلسطينية وحركة «فتح» التابعة لها في إدانة الموقف الإسرائيلي.
صائب عريقات كبير المفاوضين وصف النشاط الاستيطاني بأنه «غير شرعي» وقال قدورة فارس إن «إسرائيل تستخف بالقيادة الفلسطينية وتستخف بنتائج أنابوليس..
وتستخف بكل شيء»، وقال قيادي آخر إن المفاوض الفلسطيني يذهب إلى طاولة المفاوضات وهو يعرف نتيجة هذه المفاوضات سلفاً من خلال ما تبدي الحكومة الإسرائيلية من استحقار لكل المؤتمرات وكل الالتزامات.
«غير شرعي».. «استخفاف».. «استحقار»: إنها كلمات قوية لكنها تبقى فارغة المضمون ما دامت القيادة الفلسطينية العليا تتجاوب رغم اللاشرعية والاستخفاف والاستحقار مع الرغبة الإسرائيلية في استمرار عملية تفاوضية وهمية، بينما يمضي المشروع التوسعي الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية نحو غاياته المرسومة.
على أن هناك شيئاً آخر يجتذب الانتباه. فمع إصدار تلك الكلمات القوية الفلسطينية في سياق إدانة إسرائيل ـ على فراغ مضمونها ـ فإن من الملاحظ أن قيادات السلطة تتحاشى تماماً إصدار أي عبارات مماثلة ضد الولايات المتحدة، بل ولا تأتي حتى على مجرد ذكر الشريك الاستراتيجي الأعظم للدولة اليهودية، علماً أن الإدارة الأميركية لم تشأ أن تتخذ أي موقف حازم تجاه العمليات الاستيطانية الإسرائيلية.
وبعد.. هل من المستغرب أن تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة الاستخفاف كمبدأ ثابت للتعامل مع القيادة الفلسطينية؟