الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، يدرس إمكانية «تجديد مساعي الجامعة» لحل الأزمة اللبنانية؛ وفق ما نسب إلى مصادر دبلوماسية قوله. وهو «يستوضح» عما إذا كانت عودته إلى بيروت تساعد أم لا.

طبعاً من حق الأمين العام الحذر، في التعامل مع هذا الملف. فهذا الأخير مليء بالتعقيدات والانسدادات.. وحتى بالحساسيات. وسبق له أن اكتوى بناره. حضر عدة مرات إلى بيروت. وقام بجولات مكوكية مكثفة بين الفرقاء؛ لكن على غير طائل.

وبالتالي من المفهوم أن يستفسر، قبل عودته، عن احتمالات التقدم؛ إذا لم يكن عن إمكانية الخروج من الأزمة. لكن، في المقابل، النقطة التي بلغها الفراغ الرئاسي في لبنان، وما يمكن أن يؤدي إليه من تداعيات خطيرة؛ باتت تستوجب تجديد دور الجامعة العربية.. وعلى عجل.

بل هي لم تعد تسمح حتى باستطلاع الأحوال والفرص مسبقاً. اقتراب الأزمة من الخطوط الحمراء، وارتفاع درجة حرارتها، ينذران بهزّات؛ لا يقوى لبنان على احتمالها، فالمسألة صارت أبعد من فراغ كرسي الرئاسة.

صارت متعلقة بالضمور المتزايد والمتسارع للروابط التي تجمع بين فريقي الأزمة اللبنانية، وبما يهدد بانقطاعها؛ وانعكاس ذلك على اللحمة الوطنية في البلد. بل على البلد نفسه فالتواصل بينهما مقطوع.

التراشق هو لغة المخاطبة الوحيدة، في الساحة. وفي الأيام الأخيرة، كانت هذه اللغة مشحونة بقنابل صوتية، غير مسبوقة بشدة انفجار ذخيرتها. مع كل ما أدى إليه ذلك من اتساع في الفجوة وانعدام لاحتمالات التفاهم. كل منهما في واد.

ويأتي ذلك في لحظة تقترب من نهاية الدورة العادية للبرلمان اللبناني؛ التي يجيز الدستور انتخاب الرئيس خلالها ـ 31 ديسمبر الجاري ـ. الدورة التالية تبدأ في منتصف مارس المقبل. والجلسة المقررة غداً السبت، تشير المعطيات إلى أنها باتت محكومة بالتأجيل للمرة الحادية عشرة. كما يبدو أن عرائض نيابية وقرارات وزارية بفتح دورة استثنائية، متعذر التوافق عليها. الأمر الذي يعني ترحيل الانتخاب إلى ما بعد 15 مارس المقبل.

دخول لبنان في فراغ مديد وفي ظل المناخات السياسية التي يعيشها، محفوف بمخاطر كبيرة. الآن ليس على المسرح سوى هجوم يقابله هجوم مضاد. وكله من العيار الثقيل.

الاتصالات الإقليمية والدولية غائبة. ما عدا الذي يحصل خلف الستار؛ لكن على شكل تبادل واستعراض مواقف؛ ومحاولات استيضاح وبلورة لتصورات وسيناريوهات. لكن ذلك يتلاءم مع متطلبات اللحظة الراهنة وشراء الوقت بات مجازفة مفخخة.

هذه الأزمة استنفدت لعبة الوقت. بل إن هذه اللعبة فاقمت من حدّتها وجعلتها مستعصية أكثر. حتى إن خيار إدارة الأزمة، بدأ هو الآخر يفقد فعاليته ومقبوليته.

الفراغ حالة انتقالية عابرة لكن عندما يتحول إلى مقيم، يفقد طبيعته كخيار. وبالتالي تتعذر إدارته. ثم ان هكذا وضعية سياسية هشة، لا تقوى على العيش في الانتظار. وهذا ما يفرض أولوية ولزومية استباق الأمور، عن طريق اجتراح صيغة إنقاذية يكون عنوانها: ممنوع ترك لبنان ينزلق إلى عتمة المجهول.

وهجمة من هذا النوع، لا يقوى اللبنانيون على القيام بها؛ بعد أن اجتازوا في صراعهم نقطة اللاعودة.

نظام الكوابح لديهم معطوب. ومع كل يوم يمر، يبدو أن هذا العطب يتفاقم.

ومن هنا ضرورة ان يعود أمين عام الجامعة العربية إلى لبنان، اليوم قبل غدٍ؛ مهما كانت احتمالات الاختراق شائكة وبعيدة. فالحضور العربي الآن، في لبنان؛ لا بديل عنه. فاللحظة هي لحظة استلحاق. الفراغ يقود حكماً إلى الفوضى. وهذه إلى الاحتقان. وهذا إلى ما لا تحمد عقباه.