غريب أمر المتغيرات الاجتماعية في هذه البلاد الأوروبية الغربية، التي كانت إلى حد القرن العشرين تعتبر قبلة الإصلاحات وكعبة الانجازات في مجال قوانين الأحوال الشخصية، إلى درجة أنها تحولت بالنسبة للعديد من الدول المسلمة مثلا يحتذى في حماية حقوق المرأة العصرية وأنموذجا يعتمد في تنظيم شؤون الأسرة المتقدمة!
والغريب أن فرنسا تقدم اليوم للعالم الذي اتبع مثالها صورة المجتمع العائد بقوة وإصرار إلى تقاليد مختلفة عما عرفناه في القرن الماضي، بل وبصراحة إلى اعتناق التشريع الإسلامي في مجال العائلة حتى والفرنسيون يجهلون مراجع قوانينهم!
هذه الصورة لفرنسا الليبرالية والتقدمية، عادت اليوم وفي القرن الحادي والعشرين صورة معكوسة تماما، ويحاول علماء الاجتماع ورجال الفقه القانوني والسياسيون الفرنسيون حل ألغازها وفك طلاسمها، لفهم ما يجري في هذا المجتمع الذي يدعي قيادة الاتحاد الأوروبي والغرب عموما!
فيوم الأربعاء الماضي أعلن المحامون اضرابا عاما، لأن الرئيس ساركوزي طالب بأن يقتصر الطلاق على مجرد شاهد عدل ولا دخل للمحاكم فيه إذا ما تم بالتراضي! وهو نفسه قام بتطليق زوجته منذ شهرين ويستعد للزواج من عارضة أزياء ومطربة اسمها (كارلا برونيه).
وسأعرض هنا إحصاءات موضوعية ورسمية صدرت عن وزارتي العدل والداخلية هذه الأيام، بدون تعليق مني. تقول النشرة الاحصائية إن عام 2006 سجل توقيع 77 ألف عقد (باكس) بين رجال ونساء، عوض عقود الزواج القانوني والشرعي المتعارف عليه.
وعبارة (باكس) لمن لا يعرف القانون الفرنسي، تعني توقيع عقد متفق على بنوده بين الزوجين فقط، دون تدخل لا من القانون ولا من السلطة، أي أنه عقد يوفر الحرية الشخصية والكاملة للرجل والمرأة المقبلين على حياة مشتركة، في تحديد شروط هذا الارتباط في نطاق التزام مدني واحد وهو عدم المساس بحرية وحقوق الآخرين.
أي بالعربي الفصيح هو زواج مسيار أو زواج عرفي تضبطه وثيقة موقعة أمام شاهد عدل، بدون أية تدخلات إدارية أو قانونية أخرى، تماما كما كان جيل أبي وجدي يتزوجون في كل البلاد المسلمة.
وتقول الإحصاءات أيضاً إن حوالي نصف الأطفال الفرنسيين الذين ولدوا عام 2006 جاؤوا إلى هذه الحياة خارج إطار الزواج القانوني التقليدي، أي أنهم أطفال (الباكس) أو أطفال زوجين أعزبين لم يعقدا أي عقد، لا شرعي ولا ديني ولا مدني.
ولا يظن القراء العرب الكرام أن هذا الصنف من الزواج هو حصري لبسطاء الناس وعامة الشعب! هيهات! فالرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران كان تزوج زوجته الثانية (أن بنجو) وهي تصغره بربع قرن، وأنجبت له بنتا سماها على بركة الباكس (مازارين)، وهي اليوم كاتبة وخبيرة إعلامية معروفة.
وكذلك فعل أيضاً أمير موناكو ألبرت، فقد ارتبط بزواجين عرفيين لا واحدا أمام شاهد عدل فقط، وأنجبت له الأولى وهي سمراء افريقية مضيفة طيران بنتا كلون القهوة، وأنجبت له الثانية وهي من أصل هولندي ولدا أشقر، وهما تسكنان على حساب الأسرة المالكة شقتين في موناكو، وظل الأمير ألبرت أعزب في حكم القانون المدني لكن بزوجتين وأمين حنونين لطفليه في حكم العرف والمسيار!
ومن جهة أخرى جاء في نشرة وزارة الداخلية أن عام 2006 سجل مصرع امرأة كل ثلاثة أيام على يد بعلها أو صاحبها، وفي أغلب الحالات إثر شكوك في أخلاق الزوجة أو تلبس بالخيانة (132 امرأة ضحية العنف الزوجي، حسب مجلة لونوفل أوبسرفاتور، من بينهن 67% كوادر في وظائفهن!).
ولم يشذ الواقع الفرنسي الراهن عن هذه الحال في أعلى قمة الدولة، فقد قام الرئيس ساركوزي بتطليق زوجته سيسيليا بالتراضي منذ شهر، كما أن زعيمة المعارضة سيغولين روايال، والتي نافست ساركوزي على الرئاسة، قامت بطرد فرنسوا هولاند أب عيالها الثلاثة من بيت الأسرة، مع أنهما لم يكونا زوجين بل كانا مرتبطين بالباكس فقط وافترقا بدون طلاق!
أردت من هذا العرض أن أقدم للقراء العرب فكرة قد لا تجول بخواطرهم عن مجتمع أوروبي متقدم وقطع في مجال القوانين والحريات أشواطا لا تنكر، ولكنه ظل عرضة للطبع البشري الثابت الذي لا يتغير بعصا سحرية، شأنه شأن كل المجتمعات مهما كانت درجة تطورها الثقافي ونموها المادي والاقتصادي ومستوى ارتباطها بالتدين والأخلاق. لكن في فرنسا تبقى الأحوال الشخصية أحوالا بالفعل شخصية، لا غير ولا أكثر ولا أقل.
كاتب تونسي