لأننا بشر ولسنا ملائكة فلابد أن نقع في الأخطاء لكن لأننا بشر ولسنا شياطين فلابد أن نجاهد أنفسنا ألا نخطئ وأن نصحح ما نستطيع من أخطائنا التي غلبتنا فيها غفلتنا أو ضعف إيماننا أو إرادتنا أو قادتنا إليها مطامعنا وشهواتنا فغلبنا شياطين الجن والإنس بضعفنا لا بقوتهم، وبغفلتنا لا بدأبهم على الوسوسة لنا بتقبيح الخير بتجميل الشرور، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .

ولأننا بشر ولسنا ملائكة نقع في ظلم أنفسنا أو ظلم غيرنا، ولن نستطيع أن نصل إلى العدالة الكاملة حتى ولو حرصنا إما بفعل الغضب الزائد أو بفعل الحب الزائد، ولأننا لسنا شياطين مطالبين بأن نصحح أخطاءنا كلما تذكرنا أننا أخطأنا في حق الله أو في حق الناس أو حق أنفسنا . بالاستغفار لله وبرد المظالم للناس وبمراجعة النفس كلما طغت.

قال علماؤنا إن الظلم هو كل ميل عن مبادئ الحق والعدل ماديا أو معنويا، والانحراف عن طريق الخير إلى طريق الشر، وأن الله الذي حرم الظلم على نفسه أمرنا ألا نتظالم فيما بيننا، بل إن الله الحق والعدل لا ينصر الأمة الظالمة لغيرها أو لنفسها و ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة على الأمة المسلمة ولو كانت مؤمنة ..

فما بالك بأمة عربية مسلمة مظلومة وظالمة ،مظلومة على أيدي أعدائها المحتلين لأرضها والمعتدين على حقوقها وحرياتها، والطامعين في ثرواتها ولا يريدون لها استقلالا ولا أمنا ولا وحدة ولا تقدما ولا كرامة ، وظالمة لنفسها ولشعوبها بأيدي بعض أبنائها الذين يرددون بأصواتهم المبحوحة اسطوانات أعدائهم المشروخة، أو ينفذون بسلطاتهم وثرواتهم توجيهات أعداء دينهم ووطنهم وشعوبهم على حساب أنفسهم وعلى حساب أشقائهم وإخوانهم في الدين أو الوطن أو الإنسانية.

وما بالك بأمم ظالمة تحتل فلسطين وتشرد وتقتل وتجوع شعبها بدعاوى دينية والدين منها بريء، وأمة ظالمة تحتل العراق وتدمر وتشرد وتفتل وتخرب باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وما بالك بأمم ظالمة ترتكب أبشع جرائم الإرهاب باسم الحرب على الإرهاب.

وقال حكماؤنا العدل أساس الملك، باعتبار العدل قيمة سامية من قيم الدين بل هو محور كل القيم وقاعدة البناء السليم للمجتمع الإنساني الفاضل، ولهذا كان العدل هو القيمة العليا في كل رسالة سماوية، بل إنه فطرة للنفوس والعقول والقلوب الإنسانية التي تستهدف تحقيق إنسانية الإنسان في كل الأوطان حتى لو ضلت الطريق وخالفت رسالات الأديان.

العدل معنى شامل في الحريات والمسؤوليات والحقوق والواجبات، مثلما الظلم إثم شامل على هذه الأعمدة الأربعة، عدالة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وعدالة في القضاء في الحقوق بين الناس تطبيقا لعدالة السماء، حق كل إنسان في الحرية .. حرية العقيدة وحرية التفكير والتعبير مع مسؤوليته عن حريته التي تؤدى إلى الإضرار المادي والمعنوي بفرد أو جماعة دون حق، تلك الحرية التي تنتهي عند حدود حرية الآخرين.

وحق كل إنسان في العيش بكرامة دون أذى بدني بسيف السلطة أو إكراه معنوي ولو بسيف الحياء دون حق، وحقه في الحياة دون قيد أو قهر بالقوة أو باستغلال الثروة أو بسلطان النفوذ، وحقه في الغذاء و المسكن و الصحة والتعليم والعمل، أي حقه في حماية مجتمعه له من الفقر والجهل والمرض ثالوث العبودية الإنسانية سواء في قرون العبودية التقليدية في عصر الاستعمار القديم أو في عصر العولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتخفى وراءها الاستعمار الجديد، هذا الثالوث الناتج عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان هو منبع الحروب والإرهاب .

فلا إنسانية بلا حرية ولا إنسانية بلا كرامة ولا سلام ولا سلامة لإنسانية بلا عدالة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بين الناس في المجتمع الواحد وبين الشعوب والأوطان في أوطان العالم.

mamdoh77t@hotmail.com