لم تكن أعمال مؤتمر أنابوليس العتيد أن تنتهي حتى سارعت حكومة الاحتلال لتوظيف أعمال المؤتمر وما سبقه من لقاءات ومفاوضات ومشاورات متلاحقة، لصالح التغطية على جرائمها وانتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني، علاوة على استغلال تلك اللقاءات بهدف تكريس الانقسام الداخلي في الساحة الفلسطينية.

فقد أقدمت سلطات الاحتلال مباشرة على اعتماد المزيد مما تسميه «عطاءات» التوسع الاستيطاني في قلب ومحيط القدس، فضلاً عن اعتماد مشاريع جديدة للتوسع الاستيطاني الجائر فوق أراضي الجولان العربي السوري المحتل.

كما لم تكن تنتهي أعمال المؤتمر، لتبدأ قوات الاحتلال بشن هجماتها الدموية ضد قطاع غزة ومختلف مناطق الضفة الغربية وصولاً إلى ليلة عيد الأضحى المبارك حين وصل التصعيد الصهيوني لدرجة عالية مع استشهاد ثلاثة عشر شهيداً فلسطينياً في قطاع غزة، في الوقت الذي يستمر فيه احتجاز حرية الآلاف من الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال تاركين خلفهم آلاف العائلات الفلسطينية.

فلم تستطع الخطوة الإسرائيلية المتواضعة جداً بإطلاق سراح بضع مئات من الأسرى الفلسطينيين في مبادرة تسميها إسرائيل (حسن نوايا) أن تسدل الستار أو تغطي على حقيقة قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب بشكل عام في سجون الاحتلال، وهي القضية التي لم تلق إلى الآن الاهتمام والتحرك المطلوب على المستوى الفلسطيني والعربي.

فبعد ساعات قليلة من قيام سلطات الاحتلال بإطلاق الدفعة الأخيرة للأسرى (429 أسيراً) قبل أسبوعين ماضيين تركوا خلفهم رفاقاً بالآلاف يبحثون عن الحرية ويطرقون أبوابها للخلاص من ظلم سجان أتقن عمليات التعذيب والتنكيل، حتى قامت قوات الاحتلال بحملة اعتقالات طالت مناطق مختلفة في الصفة الغربية خصوصاً منطقة ومدينة نابلس، لتعتقل أكثر من (60) مواطنا فلسطينيا.

وليبلغ مجموع المواطنين الفلسطينيين الذين اعتقلوا خلال شهر نوفمبر الماضي على سبيل المثال قد بلغ (700) مواطن فلسطيني، في عمليات متتالية من المداهمات التي شملت النساء والأطفال وكبار السن، وفي لعبة دائرية باتت مكشوفة جداً، وهي اللعبة التي ميزت على الدوام الطريقة الإسرائيلية في معالجة موضوع المعتقلين والأسرى الفلسطينيين.

فمفهوم «الباب الدوار» في السياسة الإسرائيلية في التعامل مع قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يقوم على إطلاق دفعات من المعتقلين الإداريين الذين استكملوا تقريباً المدة المفترضة والمقررة من سلطات الاحتلال، مع استباق عملية الإطلاق باعتقال دفعات جديدة من الشبان والكوادر النشيطة في العمل الوطني الفلسطيني، بغض النظر عن الأعمار، أو طبيعة النشاط «المتهمين» بممارسته، إن كان عملاً دعائياً سياسياً، أو عملاً فدائياً مقاوماً.

وفي مثل هذه الافراجات الجزئية تريد حكومة أيهود أولمرت كما كانت تفعل الحكومات التي سبقتها أن تقدم نفسها للرأي العام الدولي وكأنها تتقدم بخطوات نحو السلام وتعطي الفلسطينيين حقوقهم في الوقت الذي تعتقل فيه أعدادا تفوق ما يفرج عنه.

بل وتفرض سياستها ومعاييرها على من يفرج عنهم، وبقدر ما تحاول إسرائيل تهميش ملف الأسرى والتعامل معه كملف خاضع لشروطها ومزاجها بقدر ما تسيء للأسرى بأساليبها الهادفة إلى تكريس تجزئة الأسرى من خلال سياسة التفرقة والتمييز بين أسير وأسير آخر، وبين فصيل فلسطيني وفصيل آخر في لعبة مكشوفة غير بريئة ذات أهداف إسرائيلية.

أما حالات الاعتقال في انتفاضة الأقصى التي اندلعت شراراتها في 28 /9/ 2000 فقد بلغت ما يقارب (50) ألف مواطن فلسطيني مازال منهم بحدود (12) ألفاً في سجون ومعتقلات الاحتلال، بينما تشير مصادر ثانية بأن عدد المعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال يبلغ قرابة (11000) معتقل وأسير، منهم ما يعادل (86%) من الضفة الغربية والقدس.

وما يعادل (4 .7%) من قطاع غزة، وما يعادل (6 .6%) من فلسطين المحتلة عام 1948 ومن عموم الأسرى العرب خصوصاً أسرى الجولان العربي السوري المحتل. ومنهم أيضاً (104) أسيرات (22 أسيرة متزوجة و18 أسيرة والدة لــ 75 طفلاً) وبنسبة تقارب (1% من إجمالي عدد الأسرى)، و(335) طفلاً ما زالوا في الأسر (ما نسبته 3 .3 % من إجمالي عدد الأسرى).

ويتقدم مجموع الأسرى قادة من الصف الأول من مختلف القوى والفصائل الفلسطينية كالأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات، والأمين العام لفصيل فلسطيني آخر من فصائل منظمة التحرير هو الأسير المعتقل ركاد سالم لجبهة التحرير العربية وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقادة تنظيم حركة فتح في الضفة الغربية كمروان البرغوثي وحسام خضر وقيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية.

إضافة إلى (41) نائباً من أعضاء المجلس التشريعي (غالبيتهم من كتلة حركة حماس في المجلس التشريعي، ومعهم ثلاثة نواب من حركة فتح إضافة إلى النائب أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وعلى رأسهم الدكتور عبد العزيز دويك الرئيس الشرعي المنتخب للمجلس التشريعي.

فقوات الأمن الإسرائيلية تعتقل في المتوسط وفي كل شهر أكثر من (400) فلسطيني، وتقدم مرة واحدة كل عام لتنفيذ ما تسميه (بادرة) بإطلاق بعض منهم.

وعليه، إن أكثر من إثني عشر ألف أسير يقبعون الآن في السجون الإسرائيلية الممتدة على أرض فلسطين من شمالها إلى جنوبها في ظل ظروف إنسانية صعبة، وبعيدا عن أنظار العالم، حيث يستمتع السجان بتعذيب الساعين للبحث عن الحرية، ويضع قضيتهم في ملفات الضغط على الطرف الفلسطيني المفاوض وعلى الشعب الفلسطيني بشكل عام.

من جانب آخر، فان نشاط المعتقلين وحركة الأسرى وإضراباتهم تتواصل كل يوم في مواجهة الاحتلال وسجانيه.

بالرغم من التعتيم الإعلامي لنشاطهم الوطني، وللسلوك الإسرائيلي تجاههم، حيث الاعتداءات الأخيرة على سجن النقب الصحراوي على سبيل المثال، والتي استشهد فيها الأسير محمد الأشقر وأصيب أكثر من (250) أسيراً على يد وحدات القمع الإسرائيلية الخاصة بالسجون، وازدادت على إثرها عمليات التنكيل ومنع الزيارات وفرض الغرامات المالية، وعقوبات العزل الانفرادي. وانتهاك حقوق الإنسان بشكل منظم ومنهجي.

إن ملف الأسرى قضية هامة وحيوية، لا تقل أهمية عن سائر المواضيع التي يفترض أن تبحث كما إن سلطات الاحتلال تسعى في سياق آخر إلى تجريد قضية الأسرى من مرجعياتها السياسية والقانونية وتحاول أن تحتكر هذا الملف لصالح رؤيتها وشروطها العنصرية وتجاهل وجود شريك فلسطيني، مع عدم الاعتراف بالمعتقلين الفلسطينيين كأسرى حرب، وما يشكّله من انتهاك للقانون الدولي المتعلق بأسرى الحرب، ومن ضرب لقرارات الشرعية الدولية المتضمنة حماية المدنيين في المناطق المحتلة.

وعليه يفترض من الجانب الفلسطيني والعربي أن يطرح دوماً الأساس القانوني لمعالجة هذا الملف وقضية الأسرى وفق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والقانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، وأن تجد لها روافعها الفلسطينية والعربية للضغط على سلطات الاحتلال والعمل على تحريرهم وعودتهم إلى أسرهم وأبنائهم.

ومن هنا تبرز أهمية وجود خطة للتحرك على المستوى الدولي وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي لشرح أبعاد قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من مختلف جوانبها، فمن غير المعقول أن تثار مسألة الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت قياماً وقعوداً، مع الإهمال والصمت المريب خصوصاً الصمت الأمريكي الذي انطلق أكثر من مرة للحديث عن جلعاد شاليت دون التطرق ولو لفظياً لقضية آلاف الأسرى في سجون الاحتلال.

في هذا السياق، فان جهوداً فلسطينية غير رسمية تبذل الآن في الإعداد لتوجيه «النداء العالمي للحرية»، من اجل إطلاق سراح جميع الأسرى العرب والفلسطينيين، من سجون الاحتلال الإسرائيلي ووضع حد لعملية الاستثمار السياسي التي تقوم بها سلطات الاحتلال من خلال إطلاق بعض الأسرى وبالقطارة وترك الآلاف في معتقلاتها تحت بنود الابتزاز للطرف الفلسطيني الرسمي.

إن الهدف من النداء العالمي للحرية هو جمع مليار توقيع بهدف إيداعها لدى مجلس الأمن في العاشر من ديسمبر من العام المقبل، بقصد الضغط على إسرائيلي لإخلاء سبيل الأسرى. لكن هذا التحرك على ايجابياته الممتازة يبقى فعلاً واحداً ينتظر جهوداً كبيرة، عربية وإسلامية، للتحرك على المستويات الدولية كافة من أجل حرية الشعب الفلسطيني، ولتحرير الأسرى ووضع حد لعمليات الاعتقال التي تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني.

كاتب فلسطيني ـ دمشق