سكتت واشنطن وحلفاؤها عن البرنامج النووي الإيراني، وسكتوا أيضاً عن أزمة دارفور، وبينما عبر جورج بوش عن قلقه بشأن الوضع الأفغاني توالى على كابول هبوط ثلاثة رؤساء من حلفاء الولايات المتحدة خلال اقل من 24 ساعة: رئيس فرنسا ورئيسا حكومتي أستراليا وايطاليا، لماذا؟ وهل وصل الغرب إلى طريق مسدود في هذه البؤر الثلاث؟

أمام الإدارة الأميركية ثلاثة خيارات للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني: تفاهم دبلوماسي أو فرض عقوبات أو شن حرب، وفي وجه الإصرار الإيراني الصارم على مواصلة عمليات تخصيب اليورانيوم (الذي من الممكن أن يؤدي إلى توفير القدرة لتصنيع أسلحة نووية) انتهت المفاوضات الدبلوماسية إلى الصفر، وفرضت واشنطن عقوبات اقتصادية وتجارية على إيران ثبت لاحقاً أنها بلا تأثير يذكر.

وعندما توجهت الإدارة الأميركية بعد ذلك صوب مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار بفرض عقوبات مشددة وقاسية ووجهت برفض روسي وصيني حاسم يتضمن احتمال استخدام الفيتو.

وبينما كان الرئيس بوش متردداً تجاه الأخذ بالخيار العسكري ضد إيران جاء «التقدير الاستخباراتي» الأميركي ليحبط أي مبرر أميركي لتسديد ضربة عسكرية إلى إيران. فهو يفيد بأن السلطات الإيرانية توقفت لمدى السنوات الأربع الأخيرة عن توجيه برنامجها صوب إنتاج سلاح نووي.

في واشنطن ولندن وباريس توقف الحديث عن دارفور، وكأن الغرب قد صرف النظر عن مشروع القوة العسكرية المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، علما بأن الموعد المقرر أصلا لنشر هذه القوة في دارفور هو مطلع يناير الذي أوشك على الحلول، ورغم أن الولايات المتحدة قد هددت بفرض عقوبات على الحكومة السودانية من خلال مجلس الأمن إلا إن التحرك الأميركي في هذا الاتجاه توقف.

وإجمالا يبقى الوضع غامضاً، فالقوى الحزبية ترفض حتى تمويل القوة المشتركة أو إمدادها بما تحتاج من لوجستيات بما في ذلك طائرات مروحية، وحتى مشروع الاتحاد الأوروبي لإرسال قوة عسكرية أوروبية إلى شرق تشاد للمرابطة على الخط الحدودي مع دارفور يبدو انه قد وضع أيضا على الرف، بل وحتى المنظمات الدارفورية المسلحة توقفت عن شن حملات قتالية ذات اعتبار.

في أفغانستان يبدو أن الزيارات السريعة المتعاقبة لزعماء ثلاث دول من أقوى حلفاء الولايات المتحدة على خلفية «قلق» الرئيس الأميركي نفسه كانت من أجل الاطلاع الميداني على الوضع في ضوء تقارير مزعجة من القادة العسكريين..

ومن أجل رفع معنويات القوات الغربية المتدهورة في وجه تقدم قوات طالبان. ولنعد إلى السؤال المطروح: هل وصل الغرب إلى طريق مسدود في هذه البؤر الثلاث؟ ربما يكون من المبكر إصدار هذا الحكم. لكن ما يمكن قوله في المرحلة الراهنة هو أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة فشل في تحقيق الهدف الذي من أجله أقحم نفسه في كل من هذه البؤر.

في إيران تتواصل عمليات تخصيب اليورانيوم في تحدٍ سافر للغرب واستخفاف صريح به، وإذا كان الهدف غير المعلن من وراء الحملة الغربية بشأن مشكلة دارفور تأزيمها بشتى الوسائل العسكرية والعقابية والدبلوماسية وشن حرب إعلامية ضارية هو زعزعة استقرار النظام الحاكم في السودان بغرض إسقاطه، فان هذا النظام أصبح في الحقيقة أقوى مما كان عليه قبل اندلاع الأزمة، وفي أفغانستان كان الهدف ولا يزال هو تدمير قوة طالبان وتنظيم «القاعدة» معاً. وهو هدف يبقى حتى الآن أبعد ما يكون عن الوصول إليه.

وأخيراً نتساءل: متى يدرك الغرب أن للقوة الخشنة حدوداً؟