إسرائيل صاحبة خبرة عتيقة، في صناعة الحيلة والتحايل. مخزونها في هذا الكار لا ينضب. تمارسه في كل مرة تنوي الهروب من التزامات مطلوب منها تنفيذها.

تفتعل الذرائع وتعمل منها قضايا، يكفل الانشغال بها؛ حرف موضوع اللحظة الراهنة عن سكتّه. بهذه الطريقة تعاملت مع ملف المفاوضات، منذ البداية. كلما جاءت لحظة الجدّ، تملّصت كالسمك في الماء.

آخر منتج لها في هذا الخصوص، ملف الأمن الحدودي، الذي فتحته مع مصر. تزعم حكومة أولمرت أن قوات الأمن المصرية، على الحدود مع غزة، تقدم المساعدة لنشطاء حماس، في تهريب الأسلحة إلى القطاع. الوزيرة ليفني وصفت هذا الوضع بأنه «يطرح إشكالية»!

وقد سرّبت معلومات حول امتلاكها لشريط فيديو، يؤكد حصول مثل هذه المساعدة! الجانب المصري سارع إلى التأكيد بأن الكلام الإسرائيلي هذا «مرفوض شكلاً وموضوعاً».

الملفت في هذه الرواية وهذا التوتير مع مصر؛ التوقيت. لقد حرصت إسرائيل على تفجير المشكلة بعد الجلسة الثانية، الخائبة، من مفاوضات الحّل النهائي؛ مع الجانب الفلسطيني. والفشل كانت أسبابه جلية: رفض تل أبيب وقف عملية التوسع الاستيطاني. خاصة في ضواحي القدس الشرقية. كان مثل هذا الوقف مطلباً، يقترب من الشرط، لإطلاق المفاوضات التي تمّ التوافق عليها في أنابوليس.

إدارة الرئيس بوش، راعي ذلك المؤتمر والضامن ـ الأدبي على الأقل ـ لسير وتفعيل المفاوضات؛ بقيت عملياً في مقاعد المتفرجين. صدور بعض عبارات الضيق لم تمنع إسرائيل من نسف الجلستين الأوليين بسبب الاستيطان. ولا التأفف وحتى الانزعاج الأوروبي، في هذا الخصوص، كان له أثره.

طالما تواصل واشنطن سياسة طمر الرأس بالرمل، في هذا المجال؛ فإن إسرائيل لا تهتم كثيراً لأية اعتراضات أخرى؛ أوروبية كانت أم غيرها!.

وفيما كان الجانب الفلسطيني يطالب إدارة بوش بالعمل على حمل إسرائيل لوقف الاستيطان؛ وإذ بحكومة أولمرت تطلع بقصة التهريب على الحدود. طرحتها بصيغة توحي بأن في الأمر ما يهدد بنشوب أزمة إسرائيلية مصرية! أو بتحميل مصر مسؤولية عمل بحجم تهديد أمن إسرائيل! ووراء غبار هذا الملف المفتعل، تراجعت سيرة المفاوضات وطبعاً الاستيطان؛ إلى الصف الثاني، وربما أكثر.

القوات الإسرائيلية ـ تواصل حصارها لغزة وقصفها اليومي لها، فضلا عن الاغتيالات؛ وفي الوقت ذاته تأتي لتزعم بأن تهريب السلاح إلى القطاع، بلغ حداً يبرر تأزيم العلاقة مع القاهرة. وكأن المطلوب من هذه الأخيرة أن تلعب دور الناطور الأمني لحدود إسرائيل، كي تتفرغ هي لمواصلة نهب الأرض الفلسطينية وتمديد الاستيطان عليها.

لا تريد أن يتعكر صفوها ويحصل تخريب على مخططاتها الاستيطانية والتفاوضية. فهي تعرف أن نسف المفاوضات، كما كان في السابق، يتحقق بعدم الاستجابة لمطلب الامتناع عن بناء المزيد من الوحدات السكنية فوق الأراضي الفلسطينية.

لا بزعم «التطور الطبيعي» للمستوطنات ولا تحت أي تبرير آخر. لكن مسعاها هذا مفضوح ومكشوف هذه المرة. حتى واشنطن، بالرغم من عزوفها عن التحرك الفعال، لم تقو على هضم هذه السياسة؛ بعد أنابوليس.

إسرائيل كالعادة تريد ضرب عصفورين بحجر. تمييع الحوار المنتج مع الفلسطينيين لتقطيع الوقت وبالتالي حرق 2008 من دون حلّ. وثانياً مطالبة الآخرين بأن يكونوا نواطير حدودها، حتى تواصل هي وبهدوء قضم حدود الفلسطينيين؛ وربما تصدير أزمتها الحكومية إلى الخارج. محاولة خبيثة أخرى يقتضي فضحها وإحباطها.