رسائل عديدة بعثت بها حركة حماس خلال الفترة الأخيرة إلى إسرائيل بهدف فك العزلة عنها وإنهاء الحصار واختراق السلطة الفلسطينية وفرض نفسها كطرف مفاوض مع إسرائيل. ولم يكن اقتراح إسماعيل هنية الأخير بوقف إطلاق النار او الهدنة آخرها. وكان المصريون نقلوا إلى إسرائيل.

وكذلك دبلوماسيون أجانب مروا في دمشق والتقوا قادة حماس هناك رسائل مشابهة إلى ايهود اولمرت بهذا المعنى وأقوى الرسائل كانت من خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الذي التقى قادة من حماس في موسم الحج واقترح ثلاثة أنواع من الهدنة على إسرائيل.

هدنة كبرى وهي الاقتراح القديم الذي يشمل اجراء مفاوضات بواسطة طرف ثالث للتوصل إلى تسوية انتقالية مؤقتة وهذه تنسجم مع مشروع شارون القديم دولة فلسطينية مؤقتة.

وهدنة متوسطة تحظر فيها حماس أي نشاط للمقاومة انطلاقا من غزة بإجبار الفصائل الأخرى على الالتزام بها مقابل رفع الحصار عن غزة، وهدنة صغيرة اي وقف متبادل لإطلاق النار لكن الإسرائيليين ليسوا حاليا في وارد اي من هذه الهدن.

فهم خلال فترة عيد الأضحى نجحوا في توجيه ضربات مؤلمة لحركة الجهاد الإسلامي واوصلوا رسائل إلى حماس من انها ستتلقى مثل هذه الضربات لاحقا اذا لم تفعل شيئا لمنع انطلاق الصواريخ من غزة وقد فهمت حماس او قيادة حماس في غزة خاصة إسماعيل هنية الرسالة فورا وطلب وقف إطلاق النار.

لكن الإسرائيليين اجابوه بوقف أحادي لإطلاق النار، وان اراد توسيع ذلك إلى حوار سياسي يهدف إلى فك الحصار فعليه ان يوافق على شروط اللجنة الرباعية الدولية وهي الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات القديمة مع السلطة الفلسطينية ونبذ العنف وتفكيك الخلايا المسلحة.

وهذه كلها شروط قديمة رفضتها حماس ابان حكومتها، وأضاف الإسرائيليون شروطا جديدة وهي الإفراج عن الجندي الأسير جلعاد شاليط وسد الأنفاق في رفح المستخدمة للتهريب. الإسرائيليون وجدوا في عرض حماس نقطة ضعف تنم عن مأزق تعيشه حماس في غزة ولذلك سردوا سلسلة من المطالب لأنهم يعلمون ان قادة حماس في غزة شعروا وكأنهم في مرمى النيران الإسرائيلية رغم ان حماس أكدت للإسرائيليين انها لم تشارك في اية هجمات صاروخية منذ شهور وان التصدي للتوغلات الإسرائيلية يتم من قبل حركة الجهاد.

وبعض اجنحة فتح وليس من قبل قواتها، وان الصواريخ التي تطلق على إسرائيل هي من نوع قدس 3 من إنتاج الجهاد الإسلامي وليست من نوع القسام .. الخ.

ويبدوا ان اولمرت بعكس بعض وزرائه يريد انتهاز الفرصة لفرض شروطه على حماس فيما يطالب بعض وزرائه بالحوار معها لوقف إطلاق النار، وهو هنا يتصرف من موقع قوة ويريد تحقيق مكاسب سياسية وليس امنية فقط.

كما ان حسابات اولمرت تختلف عن حسابات وزرائه فهو لا يستطيع الذهاب بعيدا في الحوار مع حماس طالما انه والأميركيين وراء فرض الحصار عليها وعزلها وطلبوا من السلطة الفلسطينية التعهد بعدم العودة إلى الحوار معها ان هي أرادت الدعم والمفاوضات ما لم تلب شروط اللجنة الرباعية الدولية.

وبالتالي فإن الدخول في مفاوضات مع حماس حول هدنة او تهدئة سيهدم البناء التفاوضي الذي تم وسيضعف موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بل وسيدعم حركة حماس، فبعض الإسرائيليين يرون في الهدنة فترة استراحة لحركة حماس لكي تواصل تقوية نفسها وتطوير أسلحة جديدة ويرى قادة عسكريون ان وقف إطلاق النار هو بمثابة وقت إضافي لحماس لكي تحسن استعداداتها العسكرية وهم يطالبون بمواصلة العمليات الحالية وصولا إلى عملية برية واسعة.

واغلب الظن ان اقتراح حماس بوقف إطلاق النار سيتم إن تم وفقا للرؤية الإسرائيلية اي من جانب واحد فقط دون اي التزام إسرائيلي فإسرائيل تقول انها منذ انسحابها من غزة لم تحاول شن عمليات وان عملياتها هي ردود فعل على قصف صاروخي او على اسر الجندي شاليط.

وهذا السيناريو تعلم إسرائيل انه سينجح لأن حماس محشورة في الزاوية حاليا وهي من اجل ذلك ستدخل في مواجهة مع حركة الجهاد الإسلامي وبعض الأجنحة العسكرية الأخرى التي ترفض وقف إطلاق النار وهذا يعني ان أزمة حماس ستتفاقم.

فهي ستكون في الموقف نفسه الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما طالب مرارا وحاول وقف إطلاق الصواريخ من غزة والالتزام بالتهدئة لكن حماس كانت ترفض ذلك من منطلق استمرار المقاومة وستجد نفسها الان في موقف النقيض لموقفها السابق.

ففي السياسة لا مواقف ثابتة، بل مصالح لكن الوضع الفلسطيني لا يستدعي مزيدا من التعقيدات التي تزيده ضعفا وارباكا فالاولى لحماس ان ارادت النجاة ان تتراجع عن انقلابها وليس عن شعار المقاومة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» الفلسطينية