أيام قليلة ويطوي عامنا الواهن أوراقه، مثقلا بخيباته وهمومه التي تحملها، وحملنا إياها معه طوال اثني عشر شهرا، تاركا المجال أمام العام الجديد الذي سيخلفه، ربما مرغما، بحكم سُنن الحياة وتراتب الزمن.
لكن ملفات العام المنصرف سيبقى الكثير منها مفتوحا على المستقبل ولأمد غير معلوم. فهل يكرر الزمن ذاته ويعيد تكرار الأحداث أم أن الإنسان هو المسؤول عن معاناته وعن تحميل الزمن فوق طاقته؟
مع كل ولادة جديدة يتوق الإنسان دوما إلى أن يكون هذا الجديد فاتحة خير وأمل، حتى ولو كانت خبراته السابقة تشده إلى عكس ذلك. فالإنسان بطبيعته ميال إلى التمني والأمل، و(ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل)!
من هذا المنطلق واستنادا إلى القول المأثور (تفاءلوا بالخير تجدوه)، فليس أمامنا إلا أن نتفاءل بأن العالم في العام الجديد سيكون خيرا وأفضل من سابقه الذي شهد ميلاد أحداث جسيمة وأزمات عصية، مع ما ورثه من الأعوام والسنوات العجاف التي سبقته.
ففي منطقتنا العربية لا يزال العراق محتلا مقسما يحترق بنيران العصبيات والهمجيات متعددة الأشكال والمصادر، بينما تزداد الأزمة اللبنانية حدة واتساعا. أما محنة فلسطين المزمنة، فقد تحولت إلى سلعة تتنقل، أو تُنقل، من (بازار) إلى آخر، دون أن يبدو في الأفق ما يشير إلى تحول جدي في المواقف والمعالجات، رغم الضجيج والصخب وتعدد اللقاءات التي لم تثمر إلا تصعيدا في الاعتداءات ومزيدا من المستوطنات.
وفي السودان شرخ مستمر وتكالب دولي متعاظم، وفي أكثر من موقع عربي آخر، مشرقا ومغربا، هناك أزمات داخلية وبينية، سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية متعددة الجوانب، لا تزال مستعصية على الحلول الجدية الناجعة، لم يستطع العام المرتحل ولا سنوات عديدة قبله أن تكمل ملفاتها وتطوي سجلاتها المتراكمة.
فهل يستطيع العام الوليد أن يأتي (بما لم تستطعه الأوائل) من الأعوام والسنوات؟ وهل من الإنصاف، أصلا، أن نحمله وزر أعمالنا وهموم مواضينا؟!
إن الزمن ليس أكثر من وعاء نحن الذين نعبئه بالصالح أو الفاسد من أعمالنا وممارساتنا، وليس مسؤولا عن تصرفاتنا (فما لزماننا عيب سوانا)، كما قال الإمام الشافعي في توصيف دقيق لما يشبه واقعنا الراهن:
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكل بعضنا بعضاً عيانا!
ليس ذلك حال أمتنا وحدها، ففي عالم اليوم هناك الكثير من الذئاب البشرية التي يأكل بعضها بعضا، على خلاف الحيوانات المفترسة التي تتسامى عن مثل هذه الهمجية البشرية. ففي مناطق مختلفة من العالم وفي كل قارة يعمرها الإنسان،
هناك حروب ونزاعات لا تتوقف عند حد ولا تستثني أحدا، بما في ذلك أوروبا التي لا تزال أكثر القارات استقرارا منذ الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من نصف قرن. لكن نزاع كوسوفو والوضع في إقليم الباسك وغيرهما من النزاعات والصراعات في هذه القارة العجوز، توشك أن تضعها تحت طائلة عدم الاستقرار من جديد.
إذا استمر تعنت بعض الأطراف المعنية والطموحات الخرقاء لبعض الساسة المتهورين، فضلا عن مطامع الهيمنة والسيطرة التي تحرك جهات دولية عديدة لا يهمها سوى المكاسب المادية، بغض النظر عما قد يتكبده الآخرون من سلبيات أو يسقط بينهم من ضحايا.
ومع ذلك، لم يكن عامنا المودع كله أحزانا ومآسي، فقد شهد العالم في هذا العام تحقيق العديد من الإنجازات العلمية كما شهد ميلاد مبادرات معرفية عربية غير مسبوقة تفتح بابا للأمل بغد أكثر إشراقا، قد لا يكفي عام واحد لنضج ثماره وظهور نتائجه، لكنها تظل ثمارا تستحق معاناة الجهد والانتظار.
فلنتفاءل بالخير، إذن، عسى أن يكون عامنا الجديد أفضل حالا من أعوامنا السابقة، وان تكون مبادرات العام المنصرم فاتحة خير وأمل للجميع..