جاء الرئيس الفرنسي إلى سدة الحكم وفي برنامجه مشاريع كثيرة وهو الذي أعلن صراحة في حملته الانتخابية أنه يريد القطيعة مع الماضي وإعطاء توجه ومسلك جديد للسياسة الخارجية الفرنسية حتى تتماشى والظروف الجديدة التي يعيشها العالم.
من مشاريع ساركوزي الجديدة مشروع الاتحاد المتوسطي لتحقيق أهداف استراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، ومن أهمها التنسيق مع دول المنطقة لمحاربة الإرهاب وكذلك التعاون من أجل حل مشكلات الهجرة غير الشرعية من الجنوب إلى الشمال وخلق فضاء متوسطي يتم إقحام إسرائيل وتركيا فيه.
وأهم من كل ما تقدم أن تسترجع فرنسا مكانتها الحقيقية في منطقة حيوية تعود لها بالدرجة الأولى وليس للولايات المتحدة الأميركية ولا الصين.
يريد الرئيس ساركوزي من خلال مشروع الاتحاد المتوسطي استحداث إطار تشاوري لمحاربة ظاهرة الإرهاب التي تحسب فرنسا ألف حساب لها خاصة بعد تهديدات «قاعدة المغرب الإسلامي» باستهداف أراضيها ومصالحها القومية.
المشروع كذلك يتعلق بالتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تزحف بشكل متصاعد على دول الضفة الشمالية لحوض المتوسط. ساركوزي مهتم بالجزائر حيث أنه يرى فيها حجر الزاوية في تجسيد المشروع.
وإذا كان الاتحاد المتوسطي يخدم بدرجة كبيرة مصالح فرنسا فماذا عن الجزائر وباقي دول المنطقة؟ وكيف يرى ساركوزي معارضته لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وإصراره على إقحامها في الاتحاد المتوسطي؟ وماذا عن إشراك إسرائيل في الاتحاد المتوسطي في ظل الصراع العربي الإسرائيلي المستمر منذ عقود.
يحاول ساركوزي إقحام تركيا في الاتحاد المتوسطي حيث انه يرفض رفضاً تاماً انضمامها للاتحاد الأوروبي، كما يهدف إلى تجنيد دول الضفة الجنوبية من المتوسط لمساعدة دول الضفة الشمالية في حل مشكلاتها خاصة تلك المتعلقة بالإرهاب والقضايا الأمنية والهجرة غير الشرعية.
لماذا الاتحاد المتوسطي وما هي أهداف ساركوزي من ورائه؟ من أهم أهداف هذا الاتحاد محاولة فرنسا استرجاع ما ضيّعته اقتصادياً في الضفة الجنوبية للمتوسط بعامة والمغرب العربي بخاصة، وهذا لصالح الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول جنوب شرق آسيا.
من خلال الاتحاد المتوسطي يحاول ساركوزي استرجاع مناطق نفوذ فرنسا في مجالها الجغرافي الطبيعي خاصة وأن الاقتصاد الفرنسي يعاني من مشكلات عديدة ومن ضعف الفعالية والمنافسة. ساركوزي يحاول كسب دول المنطقة، لكنه يتمسك بالمصالح الضيقة لفرنسا على حساب الآخرين كما أنه يتمسك بالذهنية الاستعمارية والكبرياء المبالغ فيه.
ففرنسا خسرت الكثير بسبب قانون تجريم غير المعترفين بـ «المذبحة الأرمينية» ومع الجزائر من خلال «قانون 23 فيفري» الممجد للاستعمار. من جهة أخرى يحاول ساركوزي الاستفادة من الفشل الذريع الذي أصاب مسار برشلونة في مهده بسبب إصرار الطرف الأوروبي على ضم إسرائيل إليه.
مشروع ساركوزي مهدد بالفشل قبل أن يرى النور لعدة اعتبارات من أهمها أنه يريد من الجيران «المتوسطيين» أنابيب النفط والحاويات والسوق الرائجة وضمان الأمن والحد من الهجرة غير الشرعية، أي المزيد من الأمن والطاقة والتجارة وتسويق البضائع الفرنسية، أما الماضي والتاريخ فهذا أمر لا يهم المستقبل الذي يحاول ساركوزي بناءه.
فالمحرك الرئيسي لمبادرة الاتحاد المتوسطي هو الإرهاب والهجرة السرية والوقوف أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. ماذا عن باقي دول أوروبا وماذا عن مصالح دول الضفة الجنوبية من المتوسط.
فدول الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط اليوم لم تبق سجينة دولة أو بضع دول في تعاملاتها الاقتصادية والتجارية، كما أنها تتمتع بإمكانيات هائلة وبمشاريع بنيوية معتبرة تؤهلها للتعامل مع التوازنات الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية. وهذا يعني أن فرنسا مطالبة بمراجعة سياساتها إزاء دول المنطقة بما يخدم مصلحة الجميع.
فالاستمرار في الغطرسة والتعالي لا يخدم إلا مصالح الأميركيين والصينيين وغيرهم في المنطقة. فرنسا مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، أن تتحرر من مرجعية الوصايا التاريخية و«التعالي» والسلوك التقليدي الكلاسيكي في المنطقة، وأن تقوم بمبادرات تكون أكثر واقعية وبراغماتية في حساباتها الاستراتيجية واختياراتها السياسية والاقتصادية لتكون مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع الشركاء في المنطقة.
أما مشروع الاتحاد المتوسطي فلن يكتب له النجاح إذا اقتصر في موضوع الهجرة غير الشرعية والإرهاب والأمن والطاقة، حيث أن هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية تهم دول الضفة الجنوبية للمتوسط يجب وضعها في الحسبان ودراستها بجدية بما يخدم مصالح الجميع.
مشروع ساركوزي للاتحاد المتوسطي يشير إلى حالة من الانقسام داخل الحلفاء الأوروبيين وخاصة الألمان. فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالتها بكل صراحة وبدون دبلوماسية ولا لباقة مخاطبة ساركوزي ان «مشروع الاتحاد المتوسطي الذي طرحته لن يرى النور».
بالنسبة لميركل مصلحة أوروبا تتقدم على كل المشاريع خصوصاً في هذه المرحلة التي لم يكتمل فيها بناء الاتحاد كما ينبغي وخاصة بعد فشل الاستفتاء على الدستور الأوروبي.
بالنسبة للقادة العرب في المنطقة فإن المشروع ما زال غامضاً وغير واضح المعالم ويحمل في طياته تناقضات عديدة من أهمها إقحام إسرائيل في الاتحاد وخلق انقسامات أو مناطق نفوذ متباينة داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
فالاتحاد المتوسطي ما زال يمثل طموحاً فرنسياً غامضاً رغم ما قام به ساركوزي حتى الآن من لقاءات وزيارات إلى عدد من دول المنطقة. فما عبرت عنه أنجيلا ميركل ما هو إلا انعكاس للشرخ الذي قد يحدثه هذا الاتحاد إذا كتب له النجاح.
المشروع يترجم حالة من الانقسام بين الكثير من القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وبين قوى تربطهم شراكة استراتيجية في فضاء الاتحاد الأوروبي. فإذا قامت الدول المطلة على المتوسط بشكل اتحاد ثان إلى جانب الاتحاد الأوروبي ومختلف تماماً عنه فإن ذلك سيشكل خللاً هيكلياً لأوروبا، الأمر الذي ترفضه ألمانيا جملة وتفصيلاً.
حيث انها ترى أن البديل يكمن في إحياء مسار برشلونة، الذي بدأ عام 1995 وما زال يراوح مكانه عملياً، وفي تقديم اقتراحات مشتركة ألمانية ـ فرنسية لرفع نوع التعاون مع الدول المغاربية.
ما زال الاتحاد المتوسطي يمثل مشروعاً غامضاً وطموحاً غير قابل للتنفيذ، طموح يقوم على البعد الجغرافي ويحمل تناقضات جوهرية تتعلق بمعاملة غريبة مع تركيا التي يراها ساركوزي صالحة في الضفة الجنوبية ولا تليق في الضفة الشمالية.
أما فكرة إقحام إسرائيل في الاتحاد المتوسطي فإنها لا تقوم لها قائمة ما دام الصراع العربي الإسرائيلي على أشده، وما دام الكيان الصهيوني يضرب عرض الحائط كل القرارات الأممية وكل الاتفاقيات الدولية.
كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة
