تأخذنا الدنيا أحيانا بعيداً عن أنفسنا، تجرفنا الأعمال والمهمات اليومية المتراكمة، فنضيع في شتات الآخرين، تختلط صورنا، وتتداخل أفكارنا، فلا نعي أين نحن؟
وما هي حقيقة الأشياء التي كنا في الأصل نتمسك بها، يعاد ترتيب الأولويات في حياتنا وفق ما يريده الآخرون، أو وفق ما تراه عين هي ليست عيننا الحقيقية، لأننا في خضم هذا العراك المتسارع نتخلى عن أعيننا، وننسى حقيقتنا، ونتجاهل صوت الروح المستغيث بنا، إذ لا وقت لدينا، وزمننا لا يتوقف، بل هو لا يسير كما عهدناه، إنه يسابق الريح والصوت والضوء، ونحن وراءه نلهث.
نحاول أن نحظى من الحياة بتحقيق بعض المكاسب، أن نحقق جزءا من حلمنا الذي ما عدنا نعرف حقا أهو حلمنا أم حلم سقط علينا من اللامكان في لحظة غفلة فظننا أنه حلمنا، وهرعنا نسابق كل شيء في سبيل أن يتحقق.
ونحن نجري في سباق تحقيق الأحلام المحموم هذا قد نتساءل للحظات عما نفعله، ولماذا نفعله؟ وهل هذا مكاننا الحقيقي؟ ومن كل هؤلاء الذين يجرون أمامنا وبجوارنا وخلفنا؟ ماذا نفعل في الحقيقة؟ ما الذي نبتغيه؟ هل هذا هو سباقنا؟ أم هو سباق غيرنا ونحن نجري فيه بلا وعي ولا إرادة؟
لكنّ شدة السباق لا تمنحنا الفرصة للاستمرار في التفكير، إذ ما إن نتخلف قليلا حتى ننفض عن رأسنا كل التساؤلات التي قد تشدنا إلى الوراء، ونمضي مسرعين، نضاعف الجهد والسرعة، وكلما عادت الأفكار نفضناها وطردناها في محاولة للتخلص من كل الأصوات التي نظن أنها تجرنا إلى الوراء، أو تثقل حركتنا وتبطئ سرعتنا.
وقد يتطلب منا السباق ألا نكتفي بإخراس صوتنا الحقيقي، إنه أحيانا يفرض علينا أن نتبنى أفكارا ليست أفكارنا، ولا تعبر عنا ولا تمثل رؤيتنا، لكنها من شروط الاشتراك بالسباق الكبير، ومن ضروريات الدخول في كوكبة الفائزين المحتملين.
وهكذا ونحن نحث الخطى نحو الغاية المنشودة نزداد ثقلا بحملنا الذي لا ندري كيف حملناه ومتى وأين، إننا الآن نحمله، ولا سبيل إلى التخلص منه، إذ لا وقت لدينا للتوقف والتخفف من بعض أحمالنا، وقد يستغرق الأمر وقتا ونحن نحاول أن نقرر ماذا نأخذ وماذا ندع، وقد نخطئ فنتخلى عن شيء قد نحتاجه فيما بعد، فلنمض إذن بكل ما نحمله، وحين نصل إلى نهاية السباق، ستتاح لنا الفرصة أن نفكّر ونتأمل ونقرر، ولكن، متى نصل إلى نهاية السباق؟
في حكاية قصيرة جدا يرويها الكاتب باولو كويلو إشارة ذكية وعميقة جدا للناس الذين تنسيهم حمى السباق جمال الحياة وقيمة اكتشاف الحكمة والتمتع باللحظة الراهنة، إذ يحكي أنّ مستكشفا أبيض متعجلا لبلوغ هدفه في قلب إفريقيا وعد حمّاليه من سكان البلاد الأصليين بجائزة إذا حثوا خطاهم، فأسرع الحمالون في سيرهم أياما.
ولكنهم في عصر أحد الأيام رفضوا أن يتابعوا مسيرهم، جلسوا على الأرض، وأنزلوا أحمالهم، ولم تكن زيادة المال لتقنعهم أن يتحركوا من مكانهم. وحين سألهم المستكشف عن السبب كان هذا جوابهم «لقد سرنا بسرعة حتى لم نعد نعرف ما الذي نفعله، علينا أن ننتظر الآن حتى تلحق بنا أرواحنا».
كثيرون هم الذين يسيرون بسرعة حتى تضيع حقيقة الأشياء من أمامهم، لقد خلفوا أرواحهم وراءهم، وقد يكونون خلفوا أحلامهم وأحباءهم وثروتهم الحقيقية في سبيل الوصول إلى ثروة أو حلم هو ليس حلمهم الذي كانوا يوما يتغنون به.
نحتاج حقا أن نتريث ونحن نسير في رحلة الحياة، نحتاج إلى محطات توقف، نستريح فيها، ونلقي عن كواهلنا ما حُمِّلناه من أحمال وأثقال، جميل جدا أن نمد أبصارنا إلى البعيد، إلى الغاية التي نود أن نصل إليها يوما، ولكن ذلك يجب ألا يحرمنا من أن نبصر ما نحن فيه الآن، هنا، الغاية جزء من المستقبل، والمستقبل لا نملكه، نحن لا نملك إلا اللحظة الراهنة.
فلماذا نحرم أنفسنا من التبصر بها والتركيز عليها، ولا يعني ذلك ألا نخطط للمستقبل وألا تكون لنا أحلامنا وطموحاتنا، إن ذلك يعني فقط أن علينا، ونحن نعمل من أجل لحظة لم تأت بعد، أن نستمتع بالزمن الذي نحياه الآن.
كثيرون يرجئون أحلامهم الصغيرة البسيطة من أجل حلمهم الكبير، ولكن لماذا نحرم أنفسنا من أمنياتنا المتواضعة تلك في انتظار أن نصل يوما إلى نهاية السباق؟ وهل نضمن أن نصل إلى هناك يوما؟ حين قال الحكماء «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد» فإنهم كانوا يعنون أيضاً «لا تؤجل متعة اليوم إلى الغد».
في فيلم «المحارب المسالم» يدور حوار بين رجل حكيم وشاب طموح، يقول الرجل للشاب «أخرج النفايات» فيرد الشاب منفعلا «أنت أخرج النفايات».
فيجيب الرجل «قصدت أخرج النفايات من هنا» واضعا إصبعه على جبهة الفتى، هناك ملايين الأفكار التي تضج بها رؤوسنا كل يوم، بل كل لحظة، وهي في معظمها معطلات، تشوّش رؤيتنا، وتقلل بصيرتنا، وتستنفد طاقتنا وقوانا.
فتحرمنا أن نستمتع بحياتنا، إنها تعبير عن مخاوفنا وضعفنا وسوء ظننا وغضبنا، نحتاج حقا أن نتعلم كيف نخرجها من رؤوسنا، لكي تصبح رؤيتنا صافية، ورحلتنا هادئة ممتعة، وعملنا متقن، نحتاج أن نتوقف بين فترة أخرى لنتخفف من أحمالنا، ونخرج النفايات المتراكمة في رؤوسنا.
ولا بأس إن تخلفنا قليلا عن الآخرين، إنها استراحة المحارب، الذي سيمضي بعد قليل وهو أشد بأسا وأعمق حكمة وأحد بصرا، لقد اكتشف الشاب الطموح بعد دروس كثيرة أنّه لا توجد لحظة عادية في الحياة، كل لحظة لها قيمتها.
وأنّ المتعة الحقيقية في الرحلة إلى الغاية لا في الغاية نفسها، لقد تعلم كيف يحيا، الآن، هنا، وكيف يذوق متعة ذلك. الماضي لن يعود، والمستقبل لم يأت بعد، ليس لنا إلا اللحظة الراهنة فلنلتفت إليها قليلا، ولنتعلم أن نعيش حياتنا، الآن، هنا.
جامعة الإمارات