المفارقة الغريبة أن أوروبا تحتفل هذه الأيام بتطبيق اتفاقيات لإزالة الحدود بين دول القارة، بينما نحتفل نحن فى العالم العربى والإسلامى بتوقيع اتفاقيات لترسيم الحدود بين دول الأمة.
وبينما تسارع الدول الصاعدة فى فضاءات العالم الخمسة الكبرى إلى تجميع الأجزاء وإنشاء الاتحادات والكتلات الإقليمية لبناء قوتها وتسريع نهضتها لرفع مستوى حياة شعوبها، تنشط لدينا إجراءات واتفاقيات تثبيت الحدود التى رسمتها لنا الخرائط الاستعمارية القديمة.
والأدهى أن تنشط أكثر الحركات الانفصالية بغير وعي سياسي لمزيد من تشطير الأجزاء بالسيناريوهات الاستعمارية الجديدة التي لا تستثني أحدا لتجزيء المجزأ وتفتيت المفتت مثلما نشهد ما نشهد في العراق والسودان والصومال بل حتى في فلسطين وفي لبنان والبقية تأتي.
وكأننا في تراجع سريع إلى الخلف لآلاف السنين لنعيش فى عصر غير عصرنا، في عودة لعصر المدينة الدولة أو الدولة المدينة في بلاد اليونان وفى ظل الصراع بين أثينا واسبرطة الذي جعلهما معا تحت رحمة الفرس لعقود طويلة حتى وحدها الإسكندر الأكبر فهزم امبراطورية الفرس وأقام إمبراطوريته الكبرى في الشرق والغرب.
والمفارقة الأغرب أن أوروبا ليس لديها ما لدينا من أعمدة الوحدة، فلم تكن في تاريخها أمة واحدة أبدا، وهى الآن ليست أمة واحدة بل عدة أمم، جرت بينها حروب تاريخية طويلة وكبيرة حروب دينية وحدودية وسياسية بلغت ذروتها في حرب المائة عام قديما وفى الحربين العالميتين الأولى والثانية حديثا، وليست لها قومية واحدة بل عدة قوميات، وليست لها لغة واحدة بل 20 لغة، ولم يعد لها دين واحد بعد أن ودعت دينها وأصبحت العلمانية المادية البراجماتية هى دينها الجديد..!
والأكثر غرابة من هذا وذاك أننا إسلاميا على العكس من ذلك الأسبق وحدة من أوروبا والأسبق تقدما وحضارة حتى نهاية العصور الوسطى وقبل بداية عصر الاستعمار في العصر الحديث ، والتي كانت عصور النور فى عواصم الأمة دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان والآستانة بينما كانت ما أطلق عليها المؤرخون عصور الظلام فى أوروبا..!
ولكن المفارقة الكبرى هي أننا عربيا بما نملك من كل حقائق الوحدة تاريخيا ومن ضرورات الوحدة في الحاضر حتى نبقى ، ومن حتميتها فى المستقبل حتى نرقى ، وفيما نحن الأكثر وحدة فى الواقع من كل المتحدين في عالمنا.
لكننا على الرغم من كل الاتفاقيات التكاملية في إطار الجامعة العربية ، لانزال في الأوراق والأسلاك وعلى الحدود وفي النظم والسياسات الأكثر تجزئة والأعلى جدرانا في عصرنا بلا مبرر سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي معقول أو مقبول !
والغريب حتى في عصرنا الحديث أننا كنا الأسبق من الأوروبيين فى الاتجاه بعد الاستقلال إلى السير فى طريق الاتحاد، لكن ومع ذلك ومع كوننا الأكثر وحدة والأكثر حاجة للاتحاد بقينا مع استثناءات قليلة فى الخليج والجزيرة الأكثر بطئا والأكثر تجزئة والأكثر بعدا عن بدايات الطريق الحقيقي للاتحاد عن الأوروبيين والفارق أن الأوروبيين كانوا أكثر وعيا وأقوى إرادة وأسرع حركة منا.
وبرغم أن لدينا المؤسسات والاتفاقيات والشخصيات والإمكانيات والحاجات مثل الجامعة العربية، التي سبقت اللجنة الأوروبية ويمكن أن تتحول بقرار سياسي من القمة العربية لو أرادوا إلى مظلة اتحادية، وبرغم أن لدينا الهياكل والاتفاقيات التي لو طبقت لحققت الكثير والعقول البشرية الكبيرة والأموال العربية الوفيرة وأمامنا التحديات المصيرية الخطيرة بما يدفعنا للإسراع في اتجاه الاتحاد العربى.
إلا أننا لم نصل بعد إلى ما بدأوا به في أوروبا وهو السوق المشتركة.
فهل سنبقى طويلا كعرب نسير في عكس اتجاه حركة التاريخ وقوانين العصر بينما الأميركيون والأوروبيون والأفارقة والآسيوين واللاتينيون الذين يسيرون بجدية وسرعة في اتجاه حركة التاريخ واتساقا مع قوانين العصر نجحوا في بناء اتحاداتهم وتكتلاتهم الإقليمية الكبرى؟!!