لم يكن ينقص الأكثرية النيابية في لبنان، لا بل لم يكن ينقص لبنان بأزماته التي لا تنتهي، إلا حرص الرئيس الأميركي جورج بوش على التصريح، أو تهديد المعارضة بعودة الأكثرية إلى خيار النصف زائد واحد إذا ما استمرت في تعطيل العملية الانتخابية، فبدا مع هذا التهديد وكأنه أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية الموعودة في لبنان.

وفي الواقع فإن تأجيل الجلسة العاشرة في الأسبوع الماضي واكبه إحراج لكل الأطراف السياسية في لبنان حين كشفت التصريحات والمواقف الخارجية بأن خيوط اللعبة أصبحت تدار جميعها من الخارج اللبناني، وبلغ الإحراج نسبة حملت رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إلى الإعلان صراحة بأن اللبنانيين أصبحوا مسلوبي الإرادة.

وتأجيل الجلسة الانتخابية لم يكن مفاجئا لا على الصعيد السياسي ولا الصعيد الشعبي في لبنان، فالتصعيد والتمسك بالمواقف المعروفة من قبل الأكثرية والمعارضة اللذين سبقا التاريخ المعلن للجلسة كانا يؤكدان حتمية حصوله، لا بل إن عدم التوافق على عقد جلسة الانتخاب، وإن بدا في بعض جوانبه مرتبطا بموضوع التعديل الدستوري.

إلا أنه كشف أن حقيقة المشكلة تكمن في الشروط السياسية المتعلقة بالتركيبة الحكومية لما بعد انتخاب الرئيس، وبتقاسم الحصص المتعلقة بالحقائب الوزارية وبوظائف مواقع الفئة الأولى، وتحديدا الأمنية منها.

أما العقدة الأبرز فقد بقيت تلك المتعلقة بموضوع الثلث المعطل في مجلس الوزراء الموعود والذي تطالب به المعارضة كضمانة لها يساويها بالأكثرية في القرارات الوزارية المصيرية التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة ثلثي الوزراء، فيما ترفضه الأكثرية على قاعدة أنه سيشكل ابتزازا للرئيس الجديد قبل انتخابه.

وترى أن الأولوية هي للانتخاب ومن ثم توزيع الحصص بشكل عادل، وأن الثلث المعطل يفترض أن يكون من حصة رئيس الجمهورية العتيد، وأن يتمثل بوزراء من دون حقائب محسوبين عليه، أي أن المعارضة تصر على أن يكون لها 13 وزيرا من أصل 17 وزيرا في حال تألفت حكومة العهد المقبل من 30 وزيرا.

وفيما التراشق على أشده بين الأكثرية التي تربط موقف المعارضة بنية إطالة فترة الفراغ استجابة لرغبة ومصلحة إقليمية سورية - إيرانية، وبين المعارضة التي تتهم الأكثرية بالسعي الدائم للاستمرار بالتفرد في القرار وإطالة عمر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بما يسمح بمصادرة صلاحيات رئاسة الجمهورية، برز موقف روجت له أوساط الرئيس بري يوحي بأن الجلسة التي دعا إليها يوم السبت المقبل لن تعقد، إذ تحدثت هذه الأوساط عن قراءة جديدة للمادة 74 من الدستور تسمح للمجلس النيابي بانتخاب الرئيس في أي وقت، سواء كان في دورة عادية أم استثنائية.

علما أن الدورة العادية الحالية للبرلمان النيابي تنتهي يوم الاثنين المقبل في 31 ديسمبر الحالي، ليبدأ معها العقد الاستثنائي الذي يمتد حتى الخامس عشر من مارس 2008 وحيث لا يسمح هذا العقد للبرلمان بإقرار تعديل الدستور.

وهذه القراءة إنما تقول بأن انتخاب الرئيس يمكن أن يحصل في أي وقت طالما أن مركز الرئاسة شاغر، إنما لا يمكن تعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان خلال الدورة الاستثنائية، ليبدو مجددا وكأن ورقة قائد الجيش كمرشح للرئاسة قد أصبحت برسم التغييب فاتحة المجال أمام مرحلة جديدة من الحوار الدولي ـ الإقليمي.

وإذا كانت الأكثرية، أو بعضها، قد اختار التهكم على تهديد الرئيس بوش بالعودة إلى خيار الانتخاب بالنصف زائد واحد والقول إنه مثل «الذاهب إلى الحج فيما الناس عائدة منه»، فإن البعض الآخر من الأكثرية يعتبر مستاء، بأن الموقف الأميركي إنما هو استهلاك للوقت الضائع ومنتج منتهي الصلاحية ونتيجة من نتائج مؤتمر أنابوليس الذي منح توكيلاً أميركياً لفرنسا بإدارة الاتصال والحوار مع سوريا بشأن الملف اللبناني.

وتبدي أوساط الأكثرية مخاوف جدية من صفقة دولية مع سوريا على حساب لبنان تتمثل بتخلي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا عن الأكثرية النيابية لصالح الحوار مع دمشق التي سارع إعلامها باستغلال الاتصالات الفرنسية - السورية للإيحاء بوجود مثل هذه الصفقة والتسويق لها.

إلا أن نوابا محسوبين على المعارضة وآخرين محسوبين على الأكثرية يلتقون حول قراءة للرغبة السورية بالمشاركة في أنابوليس تقول بأن سوريا اختارت المشاركة بزخم في لعبة الحوار الدولي لأنها تدرك أن رغبة الولايات المتحدة بالحوار تنطلق من دخولها مرحلة الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن من مصلحة سوريا المراهنة على حوار جدي ونهائي مع إدارة أميركية مقبلة وليس مع إدارة مدبرة.

أما بالنسبة للبنانيين فإن كل المؤشرات تقول بأنهم، مثلما عيدوا عيدي الأضحى والميلاد من غير رئيس فإنهم سيحتفلون برأس السنة الميلادية الجديدة من غير رئيس أيضا، طالما أن الحوار الفرنسي - السوري وصل إلى طريق مسدود، وطالما أن الارتباطات الدولية والإقليمية تكبل كلا من أكثرية ومعارضة استنفذتا خياراتهما لحل وطني صنع في لبنان.

كاتب لبناني

moc.liamg@0591idnahg