بعد بضعة أسابيع فقط من هجوم أميركي كاسح براً وجواً غادرت حركة طالبان الأفغانية السلطة في كابول ومعها قيادة تنظيم «القاعدة»، فلم تشأ قيادة الحركة الدخول في معركة مكشوفة ضد القوات الأميركية الغازية، مما دعا القيادة الأميركية إلى تبني استخلاص بأن طالبان «انتهت» وبالتالي «القاعدة».
لم يكن هذا أول فشل أميركي في التقديرات الاستراتيجية بشأن أفغانستان. فالأخطاء الأميركية في سوء التقدير بدأت قبل ست سنوات في حملة الغزو في عام 2001، ذلك أن فكرة إنشاء تنظيم طالبان هي في الأصل فكرة أميركية!
بعد فرار القوات السوفييتية من الأراضي الأفغانية في أوائل التسعينات كنتيجة لانتصار فصائل الجهاد الأفغانية عليها بدعم أميركي نشأ صراع سياسي على أساس عرقي بين قادة هذه الفصائل حول اقتسام السلطة المركزية في كابول. وتطور هذا الصراع إلى مستوى قتالي بين القوميات العرقية التي تمثلها الفصائل (البشتون والطاجيك والأزبك).
ضاقت واشنطن ذرعا بهذا الصراع. فقد كانت تأمل في أعقاب الهزيمة السوفييتية في قيام نظام حكم ائتلافي موحد يكون عميلاً للولايات المتحدة. وبعد أن توصلت إلى قناعة نهائية بضرورة تغيير الوضع الأفغاني بصورة جذرية فإنها قررت بالتشاور مع قيادات المؤسسة العسكرية الباكستانية إنشاء تنظيم شبابي عالي التدريب والتسليح لينتزع السلطة من الفصائل على أن يكون التنظيم متساميا على الانتماءات العرقية.
وهكذا أنشئ التنظيم وقوامه شباب طلاب المدارس الدينية الأفغانية. ومن هنا كان الاسم «طالبان» أي الطلاب، وكإعصار صحراوي اجتاحت قوات طالبان الفصائل التقليدية.. وفي غضون زمن قياسي استولت على السلطة في كابول بالكامل. وعلى الفور كشف قادة التنظيم عن أجندتهم في إقامة نظام حكم إسلامي راديكالي ذي رسالة عالمية، كان ذلك في عام 1995.. وكان مفاجأة للإدارة الأميركية.
الآن وبعد ست سنوات من الغزو الأميركي تجد الولايات المتحدة نفسها ومعها دول الحلف الأطلسي متورطة في قتال عقيم مع قوات طالبان مع بروز مؤشرات قوية بأن القوات الغربية تتراجع في مسارح العمليات أمام قوات الحركة.
فمن قبيل سوء التقدير الاستراتيجي ظنت الإدارة الأميركية أن انسحاب قوات طالبان من ميدان المعركة في عام 2001 كان نهاية القصة بينما اتضح لاحقاً ـ وكما رأينا ونرى خلال السنوات الأخيرة ـ أنه كان انسحاباً «تكتيكيا» لاستدراج القوات الغربية من أجل شن هجمات مضادة عليها بأسلوب حرب العصابات بكل أشكاله بما في ذلك العمليات الاستشهادية. وهكذا اضطرت دول الأطلسي إلى المشاركة في دفع ثمن التقديرات الأميركية الخطيرة.
أين تتجه الأمور بعد ذلك؟
مثل وضعها الحرج في العراق لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء في المسرح الأفغاني الدامي.. كما لا تستطيع الانسحاب، والبقاء يعني هزيمة حاسمة تتحقق بالتقسيط غير المريح، والانسحاب يعني استعادة طالبان للسلطة وما يعني ذلك أيضاً من تداعيات خطيرة على نظام الجنرال مشرف في باكستان الموالي لواشنطن.
وعلى أية حال أصبحت الولايات المتحدة الآن في سباق مع الزمن ليس فقط بشأن التقدم المتصل لقوات طالبان وإنما أيضاً بشأن دول الأطلسي المشاركة. وهذا هو معنى «القلق» الذي عبر عنه الرئيس بوش قبل بضعة أيام. فقد أعلن عن تخوفه من «احتمال انسحاب بعض الدول المشاركة في الحرب». ولننتظر لنرى.