لاتزال عقدة الاستعمار وإثارة البغيضة حية في نفوس وعقول العديد من الشعوب النامية والتي كانت ثرواتها محط نهب من الدول الاستعمارية التقليدية خلال القرنين التاسع عشر والعشرون خاصة في افريقيا وآسيا وامريكا الجنوبية.

ورغم رحيل الاستعمار من تلك الدول ووجود علاقات جيدة الا ان القمة الاخيرة بين القارتين الاوروبية والافريقية والتي تعد القمة الثانية والتي عقدت في نوفمبر الماضي في لشبونة في البرتغال قد كشفت عن العديد من الهواجس ورواسب الماضي.

ولعل مسألة مخلفات الاستعمار ومسألة التعويضات والتي تم اثارتها قد عكست مدى المرارة التي لا تزال بعض الدول الافريقية تشعر بها في ظل الاوضاع الاقتصادية المتردية في دول جنوب الصحراء ودول أخرى في افريقيا والتي تعاني شعوبها من الفقر وانتشار الامراض وقلة المياه الصالحة للشرب وقلة فرص التعليم.

ومن هنا جاءت الدعوة الاوروبية لتناسي الماضي الاليم والانطلاق إلى شراكة متكاملة بين الجانبين وهذا ما حدث حيث تم التوقيع على العديد من الاتفاقيات في إطار شراكة استراتيجية في مجالات التجارة والهجرة غير المشروعة وحقوق الانسان والتنمية وغيرها من الاتفاقيات والتي تفتح صفحة في العلاقات بين افريقيا وأوروبا.

ان القارة الافريقية لديها امكانات بشرية وطبيعية كبيرة ولكن البيروقراطية والمشكلات الداخلية وتراكم الديون وغياب التخطيط والشفافية وربما عقدة الاستعمار قد شكلت عوامل تأخر للقارة الافريقية عكس القارة الاسيوية والتي انطلقت بقوة على الصعيد الاقتصادي والاستثماري رغم محدودية الامكانيات خاصة الطبيعية.

ورغم الاعلان عن الشراكة الاستراتيجية بين القارتين الا ان هناك العديد من العقبات والتي تحول دون نحقيق آمال الشعوب الافريقية لايجاد تطور نوعي على صعيد التنمية الشاملة لعل في مقدمة تلك العوامل القلاقل الداخلية ومشكلات الحدود وعدم الاستقرار في بعض الدول بالاضافة الى ان اوروبا لديها مشكلات مع بعض الدول الافريقية على خلفية الاستعمار القديم كما هو الحال مع زيمبابوي والسودان والكونجو وغيرها من الدول الافريقية.

ان الشراكة بين اوروبا وافريقيا تعد مهمة وتحتاج الى تفعيل وليس فقط الى توقيع اتفاقيات لأن تقدم وازدهار افريقيا سوف يكون له انعكاس ايجابي على صعيد العلاقات وعلى مجمل الاوضاع السياسية في القارة ومن هنا فإن لقاء لشبونة يعد من اللقاءات الحيوية خاصة وأنه يأتي في ظل مرحلة حساسة في العلاقات بين القارتين واللتان تربطهما علاقات تاريخية.

القارة الافريقية أصبحت مصدر اهتمام العديد من القوي الصاعدة ولعل في مقدمتها العملاق الصيني والذي بدأ الدخول في افريقيا على صعيد التجارة والاستثمار في قطاعات الطاقة والصناعة مما جعل الغرب يشعر بأن مصالحة في افريقيا اصبحت مهددة في منطقة تعد تقليديالصالح أوروبا على وجة التحديد ولكن الاهمال الاوروبي في السنوات الاخيرة فتح عيون الاخرين على الكنوز الافريقية وجعل دول مثل الصين واليابان والهند ومجموعة الدول الآسيوية بل وحتى رجال الاعمال العرب تنظر الى القارة السمراء باهتمام كبير ليس فقط من خلال امكانات افريقيا الطبيعية والبشرية ولكن من خلال وجود سوق كبير حيث تضم افريقيا أكثر من 300 مليون نسمة بالاضافة الى وجود مصادر المياه والمواقع السياحية والتي تعد كنوز بحاجة الى اعادة اكتشاف.

لقاء لشبونة يعد بالفعل لفتة أوروبية واهتمام بالقارة الافريقية في ظل اهتمام آسيوي ومن مناطق اخرى حتى على صعيد الولايات المتحدة والتي نشطت في افريقيا في السنوات الاخيرة ليس فقط على صعيد محاربة الارهاب ولكن على صعيد الاستثمار والتجارة والسياحة ونقل التكنولوجيا.

اذن التحرك الاوروبي تجاه افريقيا له ما يبرره في هذه المرحلة ولعل الاتفاقيات الثماني التي تم التوقيع عليها في لشبونة بين اوروبا وافريقيا تعد بالفعل نقلة نوعية على الصعيد النظري ولكن نجاح الشراكة الاستراتيجية يحتاج الى خطوات فعلية ومتابعة حثيثة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في ظل اهتمامات متواصلة للصين بشكل خاص مما قد يشعل منافسة قوية تعد افريقيا في حاجة اليها على اعتبار ان بقاء اوروبا هي الطرف الاوحد في افريقيا يعطي لهذه الاخيرة نوعا من الاسترخاء في ظل عدم وجود منافسة من اطراف اخرى.

ويبدو أن الاوروبيون قد شعروا بأن افريقيا اصبحت محط انظار الاخرين في ظل تحولات متسارعة تشهدها الخريطة العالمية على صعيد تنامي القوى الجدية خاصة في آسيا مما يعني ان لقاء لشبونة هو نوع من التأكيد الاوروبي على حقيقة ان افريقيا لا تزال هي المكان الحيوي لافريقيا. الأماني والتاريخ شيء والمصالح شيء آخر وهذا يعني ان مفترق طرق امام اوروبا فيما يخص علاقاتها مع افريقيا ورغم ان العقدة الاستعمارية قد خفت حدتها كثيرا سوى بفعل الزمن او المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم الا ان المزاج العام في افريقيا سرعان ما يثير هواجس تلك العقدة وهذا هو حال الشعوب التي ترى ان جزءا من تأخرها وضياع ثرواتها هو بسبب الاستعمار والذي عليه ان يدفع ثمن ما اقترفه بحق تلك الشعوب وإن كان بصورة غير مباشرة وحتى ولو كان من خلال الاستراتيجية التي تم الاعلان عنها في قمة لشبونة.

علاقات المصالح هي التي ستدوم وليست علاقات التاريخ ومخلفات الاستعمار مع التأكيد أم افريقيا لها كل الحق عندما تثير مع الدول الاوروبية التي استعمرت القارة بعضا من هواجسها حتى ولو من باب التذكير.

الشراكة الجديدة بين اوروبا وافريقيا سوف تكون محل اختبار حقيقي في الفترة القادمة لأن تطبيقها سوف يدخل مجمل العلاقات بين القارتين مرحلة مهمة وحيوية وعدم السير فيها بالقدر الكافي يعني ان المنافسين الجدد سوف يواصلون الزحف على القارة الافريقية وهو الزحف في مجال التنمية والطاقة والاستثمار والتصنيع ولعل الدور الصيني في السودان على سبيل المثال يعد من النماذج التي استرعت انتباه دولة مثل الولايات المتحدة.

افريقيا لديها فرص ذهبية للانطلاق نحو التنمية المستدامة فقط تتخلص من سلبيات الداخل وتنطلق خارجيا والمستقبل لها كما حدث مع القرة الآسيوية.