لبنان ضائع بين ما تسميه الأكثرية (الابتزاز) وما تسميه المعارضة (الاستفزاز). لا بل بين تبادل الاتهام حول من وما يعرقل التسوية: الحرص على (الاستئثار) أم الرغبة في (الغلبة)? فالأكثرية تعرف ان الرئيس نبيه بري لن يتسلّم اي شيء من الحكومة، لا مشروع القانون الدستوري لتعديل المادة 49 بما يتيح انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً، ولا مرسوم فتح دورة استثنائية. لكن مجلس الوزراء يقدم على الخطوتين كأنه يشن (حرباً وقائية).

والمعارضة تعرف ان الأكثرية لن تقبل ربط انتخاب الرئيس التوافقي بالموافقة سلفاً على (السلة المتكاملة) التي بين محتوياتها ما لا خلاف عليه حين يأتي من داخل المؤسسات، وبينها ما هو محل خلاف جدي مثل (الثلث المعطّل) في مجلس الوزراء.

غير انها تصر على (السلة) وتتحدث عن ربط الأكثرية بـ (الحبال) لضمان التزامها ما يتم الاتفاق عليه، كأنها تشن ايضاً (حرباً وقائية). والكل يعرف ان الحربين هما، حتى إشعار آخر، من أنواع (حرب الخنادق). اذ يعمد كل طرف الى إطلاق النار سياسياً من مواقع ثابتة. لا احد يتقدم او يتراجع. ولا شيء يتغيّر.

والنتيجة هي تبادل الشلل. وكما في الجانب الداخلي من اللعبة كذلك في الجانب الخارجي. واشنطن تتهم دمشق بأنها تعطّل انتخاب رئيس للبنان. ودمشق ترد بأن اميركا عطلت (جهوداً ايجابية) للتوافق السوري - الفرنسي على تسوية للأزمة.

وباريس تتحدث من جهة عن وقوعها ضحية (خداع)، وتصر من جهة اخرى على البحث عن مخرج من المأزق. لكن الكل يشن نوعاً من (الحرب الوقائية) في صراع اكبر من لبنان. فلو كان التكليف الأميركي لفرنسا كاملاً لما تعثرت التسوية في بيروت وبعض عواصم المنطقة. ولو كان هناك توافق سوري - فرنسي كامل لما استطاعت واشنطن تعطيله، ولما بقي مجال للعناد المحلي.

صحيح ان أزمة الرئاسة هي جزء من الأزمة الوطنية والسياسية اللبنانية المرتبطة بصراعات اقليمية ودولية في منطقة مضروبة بأزمات حادة ومصحوبة بموازين قوى متغيّرة منذ الغزو الأميركي للعراق تطبيقاً لاستراتيجية الإدارة في (الحرب الوقائية). لكن الصحيح ايضاً ان الرئاسة هي الباب الوحيد المفتوح للخروج من المأزق. فلا الفراغ الرئاسي هو المناخ الملائم لتحقيق مطالب سياسية على مستوى السلطة وفي اطار المؤسسات واللعبة الديمقراطية.

ولا الرهانات على الفراغ الرئاسي لتوليد فوضى تسمح بتحقيق انتصارات استراتيجية على مستوى لبنان والمنطقة هي اكثر من رحلة الى المجهول في المنطقة، لا معلوم فيها سوى انهيار الوطن الصغير.

ومن المفارقات ان تدار الرغبة في استقالة الحكومة بسياسات تقود الى جعلها طويلة العمر.