تميزت دائما المجموعات الفوضوية والمغامرة بتعكير أجواء الناس كلما شرعوا الدخول في مناخات الفرح والسعادة. ومن طبيعة المجموعات الفوضوية أنها لا تهتم بالنتائج وما تتركه أعمالها من أفعال تؤذي الناس قبل أن تزعج السلطات. فعلى مدى التاريخ الإنساني يلتقي الفوضويون والمغامرون في طريقتهم في إشعال سكينة البيوت الآمنة والطرقات، حيث يحرقون الممتلكات العامة ويعتدون على الأناس العاديين ويغلقون المنافذ عن طريق إشعال الحاويات والإطارات.

فلعل تلك العملية الفوضوية تلفت نظر المجتمع والناس إليهم لكونهم مجموعة صغيرة غير قادرة على التأثير في مسار الحياة الفعلية فتتحول تلك المجموعات الصغيرة الملثمة إلى هواة تستهويهم الإثارة، وتتضخم لديها شعور الغرور والحماقة كلما تناولت وسائل الإعلام الأعمال التي يقومون بها.

فتبدو لهم صورتهم المصغرة مرآة واسعة الرؤية فيمنحون أنفسهم مساحة ووضعا أكثر مما يستحقون أو أنهم يرون أن العالم في تلك اللحظة ملكهم طالما باتوا فوق مسرح الحدث فيتوهم المراهقون والشباب ومن يقف خلفهم من المحرضين الكبار أنهم قادرون على فرض شروطهم بقوة على الحكومة وسلطة الشارع فما يقومون به من تخريب وحرق واعتداء على ممتلكات الناس وراحتهم هو الفعل الحقيقي للتمرد والثورة والدفاع عن الحق.

بمثل هذه السلوكيات التخريبية وجدت نفسها بعض القرى البحرينية محاصرة بلهيب صبية يتسلون براحة الناس وانتزاع فرحهم عندما قاموا بخلق بلبلة في الشارع العام في تلك القرى الساكنة والهادئة. وكانت اللعبة السياسية تتخفى تحت ظلال الابتزاز.

فقد كانت الأيدي الباعثة على فعل التخريب تتحرك بفعل الأوامر العليا لقيادة رفضت المشاركة في الانتخابات والقبول بلعبة الانتخابات وصناديق الاقتراع رافضة حق الانصياع للشرعية والعمل العلني والانصهار في التجربة الديمقراطية البحرينية وازدادت محنة تلك المجموعات عندما تخلت عنهم الوفاق كجمعية سياسية مؤثرة.

لكونها اقتنعت أن المشاركة السياسية والتعاطي مع مشروع الملك الإصلاحي هو خطوة ايجابية تؤسس لحياة ديمقراطية يتم بالتدريج من خلالها تحسين الحياة السياسية في البحرين وتحسين ظروف وحياة الناس بينما نزعت مجموعة حق التمسك بنهج الماضي والعنف اليومي متوهمة أنها قادرة على فرض أجندتها والتي لسوء الحظ أنها تستند على دعم خارجي وإعلام قادم من وراء الحدود.

هكذا قررت جماعة حق البحرينية والتي انشطرت عن جماعة الوفاق في البحرين مفضلة نهج العنف والإثارة والتخريب وتعكير صفو الأمن العام والسلم الأهلي. وقد لاحظ المراقبون إن هذا التنظيم غير الشرعي يحاول إثبات وجوده بالقوة ويفرض حضوره بالفوضى، لكونه يخرج بهدوء من الساحة السياسية العلنية في البحرين محاولا في كل مرة إثارة الغبار وإشعال الحرائق في الغابة البحرينية الهادئة.

لهذا كانت الأحداث الأخيرة تصب في النهج ذاته لعل طواحين الهواء هذه المرة تحرك لهم سفنهم المنسية وخيامهم الممزقة المتهرئة، فاختاروا مناسبات مثيرة حينما حددوا السابع عشر من ديسمبر هو يوم الشهيد فلعل ذلك التاريخ يدغدغ مشاعر عائلات وأشخاص كثيرين في وقت تحتفل البحرين بالعيد الوطني وعيد جلوس الملك والأكثر غرابة أنهم كانوا يدركون أنه في هذا العام يترافق الحدثان مع احتفالات الشعب البحريني بالعيد الأضحى.

فكأن فرح الناس يغضبهم ويثير حنقهم ولا ينبغي جعلهم يلهون في فرح عام ويتنسمون هواء الحرية المفقودة لعقود عدة. والغريب أنهم يدركون كقوة إسلامية أن عيد الأضحى مناسبة تهم كل الطوائف المسلمة وينبغي احترام مشاعر الناس البسطاء بدلا من زجهم في حرق السيارات والحاويات والاعتداء على ممتلكات الآخرين بل وزج سكان القرى في أوضاع لا يرغبونها.

فقد كانت العائلات تستعد للفرح وتنتظر أن تخرج في أيام العيد من دائرتها ومنطقتها بحثا عن ساعات من السعادة والفرح غير أن محبي الجثث والقبور والحزن والساعات الرمادية فضلوا إدخال البحرين في حلقة مغلقة، فبدت السيارات المحترقة في تلك القرى المحاصرة وكأنها تذكرنا بحالة الطوارئ والتوتر في حقبة التسعينات من القرن المنصرم.

بينما تذمر الطرفين من هذه الأوضاع مما دفع بالسلطات البحرينية إلى تشديد رقابتها وملاحقتها لفلول الشباب المتهورين الذين تم دفعهم لفعل أعمال حمقاء لا يدركون أخطارها وأبعادها فكانت النتيجة أن يموت شاب بحريني كان ينتظر مولودا، إذ لم يحتمل استنشاق مسيلات الدموع ولم يحتمل قلبه ودورته الدموية ذلك الهبوط المفاجئ في قلب تسارعت نبضاته ودقاته بقوة وهو يجري في أجواء متوترة ودخانية.

فكان الحدث المحزن بوفاة الشاب وقودا يفرح المحرضين ويتلذذون بفعله فهو يتيح لهم إخراج الورقة المخفية والاصطياد في الماء العكر، حيث لم يتجرؤوا أن يقولوا للناس كنا نحن السبب وان موت الشاب كانت النتيجة غير المتوقعة لفعلتنا المتهورة. فهل بإمكان الاعتذار المتأخر أو الندم استعادة حياة شاب توفي بهذه العجالة وهذه الطريقة.

ما تم ملاحظته هو أن الكثيرين ممن تابعوا الحدث بما فيهم الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان رفض أن يطلق تسمية لقب الشهيد بالرغم من حسرة خسارته حيث تستهوي المغامرين توزيع التسميات على الجمهور لتمرير الألقاب والمفاهيم حسب طبيعتهم ونهجهم. من يقتلون الفرح بنهج الحزن والسواد هم الذين لا يريدون للوطن أن يعيش لحظات جديدة من الولادة الحالمة بمستقبل أكثر ازدهارا وتقدما.

من تابع عن قرب من رجال الإعلام والصحفيين حرائق قرية جد حفص والسنابس في البحرين اكتشف أن الأهالي وسكان هاتين القريتين لم يكونوا سعداء بتلك الأوضاع والأدخنة وطواحين المغامرة التي كانت توزع عليهم الحزن في يوم العيد الوطني وعيد الأضحى. فلماذا يعبث المحرضون ومن يقف خلفهم بأحلام الناس وفرحهم في يوم بهيج؟ وما يفعلونه من فوضى وتخريب ليس إلا محاربة لطواحين راكدة لن تضخ لهم مياها في أرض مجدبة.

كاتب بحريني