حسب التوقعات، غرقت الجلسة الثانية من حلقات أنابوليس، في موضوع المستوطنات. الجانب الفلسطيني حذر سلفاً من هذه النتيجة، خاطب واشنطن طالبا تدخلها للضغط على حكومة أولمرت، كي توقف حركة الاستيطان، لا يستقيم التفاوض مع عدم التسليم بلا شرعية المستوطنات أصلا؛ فكيف مع الاستمرار في توسيعها.

ناهيك ببناء الجديد منها. لكن وجرياً على العادة، لم تقم إدارة الرئيس بوش بشيء من هذا القبيل. تركت الأمور على حالها، الحصيلة كانت حصد ريح، وبقي الانسداد عنوان المفاوضات، التي وعدت أنابوليس بانطلاقة سلسة لها؛ وبنهاية سعيدة قبل نهاية 2008.

قصة الشكوى الفلسطينية لواشنطن، بخصوص الاستيطان الإسرائيلي؛ صارت «كالمستجير من الرمضاء بالنار»، وهي قديمة قدم نهب إسرائيل للأرض الفلسطينية وبناء مجمعات سكنية عليها لليهود. في كل مرة كان يحصل هذا القضم الاغتصابي، كانت أصوات الاعتراض الفلسطيني تعلو، ومعها تعلو الشكوى إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة.

عملية السطو هذه انتهاك مفضوح للقانون الدولي واتفاقية جنيف، وكذلك للقرار الصادر عام 1980 عن مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك لم تحصل أية محاولات جادة؛ ولو لوقف الزحف الابتلاعي للأراضي الفلسطينية، ناهيك بحمل تل أبيب على إزالة ما أقامته غصباً من بؤر ومجاميع استيطانية. النتيجة كانت نشوء أمر واقع على الأرض.

صار هو الآخر بحاجة إلى تفاوض، بل إسرائيل ترفض حتى التفاوض بشأنه، ما عد البؤر المعزولة التي تسميها مستوطنات عشوائية وكأن الأخرى لها غير هذه الصفة، وهذه الأخيرة دأبت إسرائيل على الزعم بأنها باتت جزءاً من أراضيها؛ لأنها صارت مرتبطة بحياة آلاف من السكان وعائلاتهم؛ أو لأنها هي أصلا جزء من «يهودا والسامرة» الاسم اليهودي للضفة الغربية. وبهدف تثبيت هذا الواقع لجأت السلطات الإسرائيلية إلى توسيع المستوطنات بزعم أن ذلك أمر طبيعي يقتضيه النمو السكاني لها، عذر أقبح من ذنب.

بهذا التحايل حققت إسرائيل غرضين: ترسيخ وتمديد الاستيطان. وثانيا تمييع مطلب الاعتراف بعدم شرعية اغتصابها، وهنا مكمن العلة الأساسية، فهي الآن تزعم أنها موافقة على طرح موضوع المستوطنات على الطاولة، لكنها لا تتفاوض حول وجودها، وهي تتعمد الآن هذا التزامن بين البدء بالمفاوضات النهائية وبين المباشرة بتوسعات استيطانية.

الرسالة واضحة: المستوطنات، خاصة الكبرى التي تشكل عملية تقطيع لأوصال الأراضي الفلسطينية للضفة، خارجة عن البحث لجهة إزالتها أو حتى تعديل خريطتها، وفي ذات الوقت هي المخرب الرئيسي «لعملية السلام» واحتمالات بلوغها حدود التسوية المقبولة. لإزالة هذه العقبة دبت السلطة الفلسطينية الصوت على واشنطن للتدخل، وفي شكواها عمدت إلى تذكير إدارة بوش بأنها «أخذت على عاتقها» تأمين طريق سالكة لتفاهمات أنابوليس؛ وبأن «مصداقية السياسة الأميركية الآن على المحك».

تخصيص مبالغ في موازنة إسرائيل للعام القادم، من أجل بناء المزيد من الوحدات السكنية الاستيطانية؛ يتضارب مع أنابوليس ومصداقية واشنطن، لكن إدارة الرئيس بوش عازفة عن القيام بما يضع حداً لمراوغة إسرائيل وسرقتها للأرض.

ثمة كلام عن تذمر أميركي من حكومة أولمرت، وكلام آخر في الصحافة الإسرائيلية عن «تخوف من تأزم العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية» بسبب موضوع الاستيطان، لكن الوضع لم يطرأ عليه تغيير، والآن فعلا مصداقية أميركا على المحك، ما عاد بالإمكان الاستمرار بسياسة الكيل بمكيالين: إما مع المفاوضات وإما مع المستوطنات. كفى رقصاً على الحبلين.