لم يعتد الفلسطينيون، حتى الآن، على مناقشة قضاياهم مع بعضهم البعض، بجدية وانفتاح وشفافية، برغم كل خبراتهم وتجاربهم وتضحياتهم، وأيضاً برغم أنهم أحوج ما يكونوا إلى ذلك، بسبب تشتتهم وظروفهم غير الطبيعية، والتحديات الصعبة والمعقدة التي تواجههم، وخصوصاً بحكم ما يكابدونه من معاناة في ظل الاحتلال، وظروف اللجوء، والحرمان من الهوية والوطن والحقوق.
وللأسف فإن طريقة صنع القرارات والسياسات في الساحة الفلسطينية لا تنبثق، على الأغلب، من مؤسسات وإطارات شرعية، ولا من حوارات ودراسات، بقدر ما تنبثق من العواطف والمزاجات وإرادة القيادات! أما العلاقات الداخلية ـ البينية، فهي لا ترتكز على علاقات المشاركة والقيادة الجماعية والديمقراطية، بقدر ما ترتكز على التفرد واحتكار القرار والهيمنة.
ولعل ذلك يفسر الاستعصاء الحاصل في الساحة الفلسطينية، في هذه المرحلة، الناجم عن التصارع بين فتح وحماس، خصوصاً بعد أن قامت «حماس» بحسم الوضع جزئياً لصالحها، بسيطرتها الأحادية والإقصائية على قطاع غزة بالقوة. والحاصل فإن هذه الساحة دخلت في تجاذب طويل وممتد ومجاني، بين فتح وحماس، في إطار من الشروط المتبادلة، حيث فتح تطالب حماس بالعودة عن انقلابها على الشرعية في قطاع غزة، في حين تطالب حماس فتح بالحوار من دون شروط مسبقة لصوغ الساحة الفلسطينية، بناءً على التحولات الحاصلة فيها.
على أية حال فقد اعتادت الساحة الفلسطينية نوعاً من حوار الطرشان، هذا، طوال المرحلة السابقة، إذ لم تشهد هذه الساحة ولا مرة نوعاً من الحوار الداخلي الجدي والبناء والشفاف، إزاء كافة الخيارات التي اتخذتها، والتحولات التي شهدتها، من التحرير إلى التسوية، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن المقاومة إلى التهدئة، ومن حركة التحرر إلى السلطة وبناء الكيان.
مثلاً، إذا أخذنا خيار التسوية كنموذج، فإن القيادة الفلسطينية، وعلى مدار أربعة عشر عاماً من عمر هذه المسيرة، لم تجر أي حوار جدي واضح حول القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين، لا في ورشات عمل مختصة ولا في هيئات تشريعية مسؤولة ولا حتى في وسائل الإعلام.
والمؤسف أنه بدلاً من ذلك يتم الاكتفاء بعرض نتائج السلسلة الطويلة والمضنية من المفاوضات، بشكل شفوي، على اجتماعات القيادة الفلسطينية التي باتت بمثابة ناد مفتوح، يستمع المشارك فيه من دون أن يتحدث، ويوافق من دون أن يجادل، ويأخذ علماً من دون أن يكون له الحق بصوغ السياسات.
في هذا الإطار، أيضاً، كنا سمعنا طوال السنوات القليلة الماضية عن تفاهمات أبومازن ـ بيلين، وبيريز ـ قريع، وبيلين ـ عبدربه «وثيقة جنيف»، وعن مفاوضات متعددة تجري بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، في السويد والنرويج وجنوب إفريقيا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.
وكنا شهدنا، أيضاً، مفاوضات على غاية في الأهمية في كامب ديفيد (أواسط العام2000) وفي طابا (مطلع العام 2001)، وصولاً للقاءات الدورية التي تجري منذ أشهر بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية أيهود أولمرت، وصولاً لإعلان استئناف المفاوضات في مؤتمر أنابوليس مؤخراً.
لكننا وللمفارقة، وبرغم من كل هذه المناقشات والتفاهمات والمفاوضات لن نعثر على وثيقة رسمية، فلسطينية، تحدد القضايا التي تم التوافق، أو الخلاف، عليها بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، خارج الروايات الصحافية الموظّفة.
وقبل الحديث عن الإشكاليات التي تخلقها هذه الممارسات والتوجهات في الساحة الفلسطينية ينبغي هنا التأكيد، أولاً، بأن المشكلة لا تكمن في التوجه نحو خيار التسوية أو المفاوضة، بحد ذاته، فهذا خيار بين خيارات أخرى، خصوصاً أن الزمن هو زمن التسوية والمفاوضات، على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ثانياً، إن المشكلة هنا ليس لها صلة بالحوار مع الإسرائيليين، فهذه المسألة ربما تفيد في تفكيك جبهة العدو، وتعزيز التناقضات في صفوفه، باعتبار ذلك شكلاً من أشكال العمل السياسي. ثالثاً، إن من حق أية قيادة أن تتمتع بهامش مناورة ومرونة في خطاباتها وعلاقاتها، لكن على أن يكون ذلك جزءاً من رؤية استراتيجية، واقعية وعقلانية، ليس لها علاقة بالمناورات والمزاجيات والتوظيفات الآنية.
على ذلك فإن الإشكاليات التي تحيط بهذه الممارسات والتوجهات تتعلق في:
أولاً: الانعكاسات السلبية لإصرار القيادة على ممارسة احتكار القرار بما يخص القضايا الأساسية التي تمس بمستقبل الشعب الفلسطيني، ولاسيما منها قضايا: اللاجئين والقدس والعلاقات المستقبلية مع الإسرائيليين. إذ أن الحق في احتكار القرار يستدعي، قبل ذلك، الالتزام باحترام الهيئات الشرعية التي ينبغي أن تدرس التوجهات السياسية الجديدة، وأن تفحص الخيارات المتاحة، لتنتقل بعدها لإقرار هذا التوجه أو ذاك، بما يخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، ما يحصّن الساحة الفلسطينية، ويجنبها التجاذبات التي لا تفيد إلا عدوها.
ثانياً: من الطبيعي أن تخضع كافة قضايا الصراع، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى عملية مراجعة على ضوء تغيّر المعطيات لدى كل منهما، بعد أكثر من ستين عاماً على قيام دولة إسرائيل، واختلاف الظروف العربية والدولية، وأخيراً بسبب ضغط موازين القوى غير المواتية بالنسبة للفلسطينيين.
ولكن المشكلة هنا تكمن في أن عملية المراجعة بالشكل الذي يتم إخراجها به تظهر الفلسطينيين بصورة غير لائقة وتوحي بأن الضغط عليهم يؤتي ثماره، ما يشجع على طلب المزيد منهم، كما حصل مراراً، في متوالية الشروط الإسرائيلية، وآخرها بدعة الاعتراف بالطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية، علماً أن الإسرائيليين أنفسهم لم يحسموا بعد قضية من هو اليهودي؟
ثالثاً: في واقع معقد، مثل الساحة الفلسطينية، فإن انتهاج مبدأ الصدمة السياسية، بين فترة وأخرى، يؤدي لإضعاف الثقة بالقيادة ويساهم بإشاعة روح الإحباط والهزيمة واللامبالاة وسط الشعب. والمعنى أنه لا ينبغي الركون إلى إجراء نقاش ما في الإطارات السياسية الرسمية أو في حلقة محدودة ومغلقة، فقط، وإنما يجب أن تطلق، بالتوازي مع ذلك، حملة نقاش واسعة في مختلف التجمعات الفلسطينية وبمختلف الوسائل، من أجل خلق قاعدة شعبية عريضة متفهّمة للتوجهات التي يتم التوافق عليها، في الأطر السياسية.
ما يسند ما ذهبنا إليه أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وبعد عامين على انهيار مفاوضات كامب ديفيد وطابا وبعد أن جرت مياه كثيرة في نهر الصراع الدامي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بات يطالب بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة (أي قبل 29 سبتمبر 2000).
كما بات يعلن صراحة موافقته على خطة كلينتون للتسوية، من خارج إطار المؤسسات الشرعية وخصوصاً من خارج العملية التفاوضية؛ بعد أن فوت الأمر، وبعد أن سجل سابقاً العديد من التحفظات عليها! (راجع مقابلة أجراها معه عكيفا الدار في «هآرتس» 23 ـ 6 ـ 2002). فأي الموقفين هو الصحيح في النهاية؟ وما هو الثمن؟
أيضاً فإن قيادة حماس باتت تطالب حالياً بالتهدئة، وبعقد هدنة طويلة مع إسرائيل، مقابل العودة إلى وضع ما قبل الانتفاضة، ووضع حد لعمليات الاغتيال والحصار المفروضة على الفلسطينيين، في حين إنها كانت إبان وجودها في المعارضة (قبل الانتخابات)، تصر على مواصلة نهج المقاومة المسلحة، وخصوصاً وفق نمط العمليات التفجيرية، مثلما كانت ترفض أي حديث عن وقف المقاومة أو التهدئة! أيضاً فأي الموقفين صحيح؟
ثم ما الذي يميزها إذن عن السلطة التي تعارضها؟ من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن القيادات الفلسطينية معنية بمراجعة طريقتها في العمل، باتجاه تعزيز المشاركة والتعددية والديمقراطية في الساحة الفلسطينية، والمبادرة لإطلاق نقاش سياسي عام حول قضايا العمل الفلسطيني، يتم من خلاله مصارحة الشعب بالمعطيات الصعبة والمعقدة المحيطة بالقضية الفلسطينية، خصوصاً وأن الفلسطينيين، الذين يدافعون بالنفس والنفيس عن حقوقهم وحريتهم وكرامتهم، لهم حقاً على قيادتهم، طال انتظاره، في المصارحة والمكاشفة.
ومبادرة مثل هذه من شأنها أخذ المسألة من طرفي حماس وفتح إلى النقاش العام، وتجنيب الساحة الفلسطينية الخلافات، وتحصينها تجاه أية توترات أو مداخلات مضرة، وتعزيز ثقة الفلسطينيين بأنفسهم وبسلامة مسار قيادتهم.
كاتب فلسطيني