في العلاقات الدولية القائمة على تحقيق مصالح أطراف تتلاقى وتفترق بصورة دائمة لا تعرف السكينة مطلقاً، لا مكان للثوابت والمبادئ والخطوط الاستراتيجية العريضة، إلا بمقدار انسجامها كلياً أو جزئياً والتوافق حولها بين طرفين أو أكثر من مكونات الخارطة المعقدة والمتشابكة لتلك العلاقات.
التي عادة ما تجمع بين الدول والتكتلات والتجمعات والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، مما يجعل مبدأ اقتناص الفرص أحد أهم مبادئ العمل في هذه البيئة المتشابكة والقاسية. ولا شك أن سياسة ملء الفراغ تشكل بدورها أحد أهم المقومات التي يقوم عليها هذا المبدأ الشامل.
خارطة العلاقات الدولية شهدت خلال الأسبوع الماضي حدثاً تاريخياً لم تأت وسائل الإعلام، العالمية عموماً والعربية منها على وجه الخصوص، على ذكره إلا لماماً، على الرغم من أهميته القصوى بالنسبة للمصالح الاستراتيجية للبلدان العربية مجتمعة أو فرادى، وتمثل في توقيع السوق المشتركة لبلدان أميركا اللاتينية (ميركوسور) اتفاقا للتجارة الحرة مع الدولة العبرية، هو الأول من نوعه الذي يوقع مع بلد من خارج أميركا اللاتينية.
الأمر الذي ينطوي على الكثير من المخاطر الكبرى في ما يتعلق بمستقبل العلاقات العربية ـ الأميركية اللاتينية، التي بات من المحتم عليها، من الآن فصاعدا، أن تمر من خرم إبرة هذه الاتفاقية الإسرائيلية ـ الأميركية اللاتينية، على الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين الدولة العبرية وبلدان أميركا اللاتينية لم يتجاوز خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام 541 مليون دولار، بينما بلغت وارداتها من بلدان الميركوسور 551 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
لكن حتى تتضح صورة أولوية العلاقات العربية ـ الأميركية اللاتينية على العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية اللاتينية، لا بد من ذكر أن حجم التبادل التجاري بين بلدان الخليج العربي وحدها وتكتل ميركوسور، يفوق هذه الأرقام بستة أضعاف على أقل تقدير، فضلا عن أنه عندما انعقدت القمة العربية الأميركية اللاتينية التاريخية في مايو 2005 في العاصمة البرازيلية، لم يتساءل أحد عن مسوغات وأسباب انعقادها.
لكن كثيرين تساءلوا لماذا تأخر انعقاد تلك القمة كل هذه العقود من الزمن، خاصة وأن العلاقات التي تجمع بين شعوب ومجتمعات هاتين المنطقتين من العالم، لا تحتاج إلى من يبين مدى عمقها ومتانتها وتجذرها في أرض الواقع، بعد أن استقبلت بلدان أميركا اللاتينية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن موجات لا يستهان بها من المهاجرين العرب الذين سرعان ما اندمجوا في تلك المجتمعات وباتوا لا يشكلون جزءا لا يتجزأ منها فحسب، بل إنهم يتبوأون مكانة اجتماعية بارزة في شتى ميادين الحياة، بدءا بالاقتصاد والسياسة وغيرها.
كما أن صانع القرار العربي يعلم قبل غيره مدى الأهمية المحورية لهذا التكتل الإقليمي، خاصة وأنه يعد رابع أكبر تكتل اقتصادي في العالم ويبلغ حجم الناتج المحلي للدول الأعضاء فيه أكثر من تريليون دولار، بينما تبلغ مساحة البقعة الجغرافية التي تغطيها هذه الدول 12 مليون كيلو متر مربع، أي حوالي أربعة أضعاف مساحة أوروبا، في حين تعد دوله من أغنى مناطق العالم.
كثيرة هي الأسئلة المشروعة المطروحة حول أسباب غياب أو تغييب البلدان العربية عن هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، لكن ربما السؤال الأهم في هذا السياق هو: لماذا يصل الكيان الصهيوني دوما قبلنا في سباق تحقيق المصالح العليا، على الرغم من أنه يبدو من الوهلة الأولى أنه لا ينقصنا شيء حتى نتمكن من الوصول قبله؟
فالقمة العربية اللاتينية انعقدت قبل توقيع هذه الاتفاقية بعامين على الأقل، لكن جل ما أسفرت عنه هو تغيب الكثير من مسؤولي الصف الأول من العرب واتفاق إطار هزيل للتشاور حول عقد اتفاقية للتجارة الحرة، في حين يتضح الآن أن الدولة العبرية لم يهدأ لها بال منذ ذلك الوقت حتى تمكنت الأسبوع الماضي من تحقيق السبق وتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع منطقة الميركوسور، ستمده بلا أدنى شك بمزيد من مصادر القوة التي تجعلها متفوقة بشكل جنوني على جميع نظرائها من الدول المجاورة مجتمعة أو فرادى.