طموح الرئيس الفرنسي النشط ـ ساركوزي ـ لا حدود له، فهو يطمح إلى حلف أوروبي ـ متوسطي يضم أوروبا أو على الأقل الدول الأوروبية المتوسطية مع الدول العربية والإسلامية المطلة على المتوسط.
بل يطمح إلى ما هو أوسع، إذ اقترح خلال زيارته للجزائر، تعاوناً نووياً بين الغرب والعالم الإسلامي، وفي هذا السياق نفهم ونتفّهم السعي الحثيث للرئيس الفرنسي في حل قضية الممرضات البلغاريات اللاتي احتجزن «8» سنوات في ليبيا، كإزالة لعقبة كانت تحول دون توسيع مجال التعاون الغربي ـ الليبي.
الرئيس الفرنسي حريص على توطيد التعاون الفرنسي بكل من الجزائر وليبيا، وفي هذا الإطار ـ أيضاً ـ تأتي زيارة الزعيم الليبي العقيد القذافي لفرنسا، والتي أثارت ردود فعل واسعة من قبل الأوساط السياسية المعارضة وخاصة اليسارية.
طموح ساركوزي أمر إيجابي ويحقق المصالح المشتركة للجانبين العربي والفرنسي، ولكن هناك أكثر من عقبة يجب تجاوزها، منها: الانتقادات شديدة اللهجة من المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان لساركوزي بسبب استضافته للزعيم الليبي على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان في ليبيا، بالرغم أن هذه الزيارة أثمرت عقوداً بـ «10» مليارات يورو تصب في دعم الاقتصاد الفرنسي.
وقد ردّ الرئيس الفرنسي على منتقديه بأن فرنسا إذ تستقبل القذافي، فإنها تستقبل رئيس دولة تخلى نهائياً عن حيازة السلاح النووي واختار التخلّي نهائياً عن الإرهاب والتعويض عن الضحايا. بعبارة أخرى يريد ساركوزي أن يقول: إنه يجب علينا تشجيع الدول التي تتخلّى عن الإرهاب وتنفتح على التعاون الدولي، لا إغلاق الأبواب في وجهها.
وقد يكون في هذه السياسة تشجيع لإيران للتخلي عن برنامجها النووي، أما ردّ الزعيم الليبي على مسألة حقوق الإنسان في بلاده فهو تذكير الأوروبيين بما فعلوه في إفريقيا التي استعمروها وساقوا سكانها عبيداً على متن بواخر كالبهائم، وأيضاً تذكير الفرنسيين بما فعلته قوى الأمن من انتهاك حقوق المهاجرين فيما سمي «انتفاضة الضواحي» خريف 2005.
وهناك عقبة أخرى أو «غَيْرة» ألمانية عبرت عنها المستشارة «ميركل»، من أن خطط ساركوزي بشأن اتحاد متوسطي من الممكن أن تؤدي إلى تهديد لكيان الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، أما العقبة أو العقدة الثالثة فهي تاريخية وينبغي تجاوزها، وهي مسألة اعتذار فرنسا للجزائر عن الماضي الاستعماري، وبالرغم من إقرار ساركوزي بالآلام وأوجه الظلم التي كانت خلال السنوات الـ «132» التي قضتها فرنسا في الجزائر.
إلا أنه قال «إني مع الاعتراف بالوقائع وليس مع الندامة، لأن الندامة مفهوم ديني ولا مكان لها في العلاقات بين دولة وأخرى»، مؤكداً أن الأجيال الناشئة على ضفتي المتوسط تتطلع إلى المستقبل أكثر مما تنظر إلى الماضي، ودعا زعماء المنطقة إلى «عدم تعذيب أنفسهم في الندم على الأخطاء أو الذنوب الماضية».
بمعنى آخر فإن ساركوزي يرفض الاعتذار بناء على المبررات التي ساقها، ولكن الجزائريين غير مستعدين لتقبل هذا الرأي، ويرون أن فرنسا تتبنى موقفاً متعنتاً من مسألة الاعتذار، ومعنى ذلك أن العقدة التاريخية المظلمة ستستمر تُلقي بظلالها على العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية وتحول دون تطبيعها كما يطمح ساركوزي نفسه.
والسؤال المحير: لماذا لا تريد فرنسا الاعتذار؟ وما ضرّ فرنسا لو قدّمت اعتذاراً يكون خطوة رمزية لطي صفحة الماضي؟ ومن قال إن الاعتذار لا يكون في العلاقات الدولية؟ دول كثيرة تعتذر لبعضها ـ قديماً وحديثاً، إيطاليا اعترفت بماضيها الاستعماري ووعدت بإعطاء تعويضات لليبيين الذين احتلت بلدهم «33» عاماً، واليابان اعتذرت للصين ولدول جنوب شرق آسيا وخصوصاً الفليبين وكوريا وتعهدت بالتعويض عن المظالم الاستعمارية إبان الحرب العالمية الثانية.
واعتذرت روسيا لليابان بسبب الوحشية في التعامل مع الأسرى اليابانيين في الحرب الثانية، واعتذرت ألمانيا للعالم عن جرائم النازية ولليهود بصفة خاصة وقدمت لهم تعويضات ضخمة، والولايات المتحدة اعتذرت لمواطنيها من أصل ياباني بسبب سوء معاملتهم إثر الهجوم الياباني على «بيرل هاربر» وعوضتهم.
واعتذرت لإفريقيا عن قرون في تجارة العبيد، وفرنسا المستنكفة عن الاعتذار اليوم هي نفسها التي اعتذرت عن شحن يهودها إلى محرقة «الهولوكوست» في الماضي على يد الحكومة الموالية للنازيين، وفي الذكرى العاشرة لمجزرة «سربرنيتشا» وقف الرئيس الصربي ـ طاديتش ـ حداداً على الضحايا المسلمين وقدّم اعتذاره وتعهد بملاحقة مجرمي الحرب ومحاكمتهم، وتمت محاكمة السفاح الأكبر «ميلوسيفتش» أمام محكمة لاهاي بعد أن قضت أوروبا على نظامه وحاكمت أنصاره واعتذرت لمسلمي البوسنة.
«الاعتذار» فضيلة سامية وعنوان للرقي والبلسم الشافي للجراح والمطهر للذات والمنقي للذاكرة التاريخية والمصحح للسلوك، وله أعظم الأثر في تذويب العداوات وإزالة المرارات وتقريب الشعوب وتحقيق المصالحات. وما أجمل أن تسود ثقافة الاعتذار مجتمعاتنا.
الآن دعونا نتساءل: ما مكانة ثقافة الاعتذار في حياتنا؟ من المفارقات أنه على عظم إعلاء تعاليم الإسلام لفضيلة الاعتذار، لا نجد لها صدى أو انعكاساً على أرض الواقع في سلوك الأفراد والجماعات والمجتمعات! عشرات النصوص في الصفح والإحسان ومقابلة الإساءة بالحسنة تمحها.
وفي تمجيد «النفس اللوامة» التي تنشغل بعيوبها أكثر من عيوب الآخرين، وما «التوبة» إلا التعبير الأسمى عن «ثقافة الاعتذار»، لكن ما أكثر الإساءات والمرارات وما أقل الاعتراف بالأخطاء والاعتذارات!
هناك اعتذارات كثيرة مستحقة ومطلوبة للشعوب العربية أولها وأهمها: اعتذار الحكومات الانقلابية الثورية لشعوبها عن الكوارث والهزائم والاستبداد وإهدار الثروات والمآسي التي سببتها لشعوبها، وهذا يصدق على كثير من الحكومات العربية التي مارست التعذيب في سجونها ضد المعارضين السياسيين. «صدام» أذلّ شعبه واعتدى على جيرانه ورفض الاعتذار حتى وهو على منصة الإعدام!!
وما زال كبار أعوانه وأنصاره يكابرون ولا يعتذرون! ولم نسمع عن اعتذار لدولة عربية عن إساءة لدولة عربية أخرى. ولعل اعتذار ـ أبو مازن ـ الجميل للكويت «نعتذر عما بدر منا، ونقول لأهلنا في الخليج نحن بحاجة إلى دعمكم ومساندتكم حالة استثنائية نادرة في الحياة العربية وكذلك اعتذار العراق لإيران عن حرب الثماني سنوات.
وإذا جئنا إلى مستوى الحركات والتيارات السياسية الكبرى وما سببته من إساءات، فلا نجد أية مراجعة نقدية جادة لطروحاتها فضلاً عن اعترافها بالأخطاء والاعتذار. القوميون بوجهيهم «الناصرية والبعثية» اضطهدوا ونكلوا بكل المخالفين لهم ولم يعتذروا حتى الآن. أما «الإخوان» فقد قال كبيرهم بمصر «الإخوان لا يعتذرون»، ومن لا يعتذر يعني أنه لا يخطئ فهو فوق البشر.
وعلى المستوى الثقافي فالمثقفون أشد بأساً وحسداً بعضهم ببعض، وكبار مثقفي العرب ساندوا الطغاة وفرعنوهم بتمجيدهم رواية وشعراً ولم يعتذروا، وما زالوا يطلون علينا عبر المنابر والفضائيات أشبه بالديناصورات التي تقاوم الانقراض!!
وبالأمس تكالبت نقابات المحامين والكتاب دفاعاً عن صدام وبرروا مقابره الجماعية ولم يعتذروا!
فقد حملت الأنباء مؤخراً أن «300» رجل دين مسيحي اعتذروا عن الحروب الصليبية في الماضي وعن نتائج الحرب على الإرهاب في الحاضر والتي أضرت بالمسلمين، طالبين المغفرة والصفح من المسلمين في رسالة بعنوان «حب الله وحب الجار».
وذلك رداً على رسالة من «138» عالماً مسلماً، فهل يبادر المشايخ بالاعتذار بالمثل؟ القوم هناك يخطئون فيعتذرون ونحن نخطئ ولا نعتذر، هذا هو الفارق الحضاري بيننا وبينهم. مشايخ حي على الجهاد الذين حرضوا شبابنا لمقاومة المحتل الأميركي ومن تعاون معهم في العراق، فجروا أنفسهم في آلاف العراقيين الأبرياء، ألا يجدر بهم الآن الاعتذار لآباء هؤلاء المضللين أولاً وللشعب العراقي ثانياً؟ أحد الدعاة حين علم أن ابنه سيذهب للعراق استنجد بسلطان بلاده لمنعه.
الذين ناصروا إرهابيي «الفلوجة» واستغلوا المساجد للدعاء لهم، ألا ينبغي الآن أن يعتذروا؟ المشايخ الذين كفروا الكتاب والمثقفين والفنانين لماذا لا يعتذرون؟ أتمنى أن أجد شيخاً يعتذر.
الأقليات في العالم العربي لها اعتذارات مستحقة، وهناك ضحايا كثر يستحقون الاعتذار من أهمهم ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية من الفلسطينيين الأبرياء، وضحايا صدام من الأكراد والشيعة والسنة، وضحايا النظام السوداني في دارفور والجنوب.. لكن كيف نؤسس ثقافة الاعتذار؟
المواعظ الكثيرة لا تؤسس ثقافة الاعتذار، إنها تبدأ بالتنشئة الأولى مروراً بالمدرسة والمعلم وشيخ الجامع، لتترسخ بالممارسة المجتمعية عبر منظمات المجتمع المدني والمناشط الثقافية والإعلامية المختلفة. ما أحوجنا إلى ثقافة الحوار، بلسماً شافياً للنفوس وسط المرارات المحيطة. هل يتحقق ذلك؟ هذا أمل.
كاتب قطري