في مثل هذا اليوم، 24 ديسمبر من عام 1977، تم تعيين محمد إبراهيم كامل وزيراً لخارجية مصر. لقد ظل هذا المنصب شاغراً مدة خمسة أسابيع بعد أن استقال إسماعيل فهمي، ثم وزير الدولة لشؤون الخارجية محمد رياض، وتبعهما معظم سفراء مصر في الخارج باستقالات جماعية، احتجاجاً على إعلان الرئيس السادات نيته زيارة إسرائيل.
وقد نفذ السادات في 19 نوفمبر 1977 زيارته تلك يرافقه وزير الدولة للشؤون الخارجية المعين تواً بطرس غالي، دون أن يكون لمصر وزير خارجية. لقد تأخر تعيين الوزير نظراً لاعتذار الدكتور محمد مراد غالب، سفير مصر في يوغسلافيا آنذاك، عن قبول هذا المنصب.
مراد غالب هو هذا الإنسان الكبير الذي أرثيه لكم بعد أن فارق الحياة فجأة الثلاثاء الماضي، 18 ديسمبر عن عمر ناهز 86 عاماً، جلها حافلة بالنضال الوطني القومي التقدمي. قرأت عنه وله كثيراً، وسمعت منه وتحادثت معه مراراً يكبر احترامي له بعد كل منها. في آخر مرة رأيته تركته وعينه على مملكة البحرين. ولو سارت الرياح كما اشتهينا فلربما كانت البحرين آخر بلد يزوره. وسنعود لذلك في آخر المقال.
في أربعينات القرن الماضي انخرط في صفوف الحركة الطلابية المصرية، مناضلاً ضد الاستعمار البريطاني وفساد نظام الملك فاروق ومن أجل الحرية والديمقراطية. أيد حركة الضباط الأحرار وبرز في الصفوف الأمامية بعد اندلاع ثورة يوليو 1952، وأصبح مديراً لمكتب الزعيم العربي جمال عبدالناصر في الستينات. ومن هناك تولى مسؤولية أول برنامج للطاقة النووية في مصر.
وبعد أن التحق بالخارجية المصرية شغل منصب سفير بلاده في الكونغو كينشاسا، حيث كان الزعيم الإفريقي الراحل باتريس لومومبا يخوض صراعاً مريراً ضد القوى الرجعية المدعومة من الاستعمار. ورغم أنه تعرض للأخطار مراراً، إلا أنه ظل هناك معززاً دور مصر في دعم حركات التحرر الإفريقية.
في ما بين الستينات والسبعينات كان غالب سفير بلاده في موسكو، حيث شكلت العلاقات السوفييتية المصرية عاملاً حاسماً في تطور مجمل الأوضاع الإقليمية وفي العملية التنموية في مصر وبلدان عربية وإفريقية كثيرة. ولسداد آرائه وتفانيه، أشار الرئيس السوفييتي نيكيتا خروتشوف في مذكراته إلى الاحترام الذي يكنه لمراد غالب وآرائه. وظل مراد غالب يحظى بمثل هذه المكانة لدى كثير من القادة السياسيين حتى آخر حياته.
أصبح مراد غالب فيما بعد وزيراً للخارجية، لكنه استقال في عهد السادات عام 1972 استياءً من طرد الخبراء السوفييت وغير ذلك من التراجعات، وعاد ليصبح سفيراً في يوغسلافيا ذات العلاقات الخاصة بمصر، حيث كان البلدان ـ إضافة إلى الهند واندونيسيا ـ يمثلان دعامات حركة عدم الانحياز التي انبثقت مبادئها من مؤتمر باندونغ عام 1955.
بسجله الحافل اعتبر الدكتور مراد غالب أحد أبرز رواد الدبلوماسية المصرية، ومهندس العلاقات المصرية السوفييتية التي لا تزال ثمارها ماثلة إلى اليوم في قدرات مصر الاقتصادية والعلمية والدفاعية. واعترافاً بدوره الريادي فقد أطلق اسمه على آخر دفعة من الدبلوماسيين المصريين الشباب الذين تخرجوا من معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية المصرية في ابريل الماضي، حيث بلغ مراد غالب الخامسة والثمانين من العمر.
بعد أن ترك غالب الدبلوماسية الرسمية عام 1977، انطلق للعمل في الدبلوماسية الشعبية مناضلاً ريادياً في حركة التضامن بين الشعوب المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية والتنمية والسلم والتقدم الاجتماعي. ومنذ أن انتخب رئيساً لمنظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية، ظل يعاد انتخابه في هذا الموقع حتى نعت السكرتارية الدائمة إلى شعب مصر والعالم رئيسها الدكتور مراد غالب الأسبوع الماضي.
عالج الدكتور غالب كثيراً من قضايا حركة التحرر الوطني العربية والعالمية. وفي عصر العولمة ركز على أهمية أن تحتل بلداننا مكانها الصحيح، بحيث تستفيد من مزايا العولمة وتتفادى سلبياتها الكثيرة بإعادة تصحيحها بنظام اقتصادي عالمي عادل.
وكنت قد كتبت لقرائنا حول حديث مراد في آخر لقاء لمنظمات التضامن العربية في يونيو الماضي، عن التحولات السلبية في كثير من الحركات السياسية العربية التي كانت تقود نضالات شعوبها في خمسينات وسبعينات القرن الماضي، لتسلم الراية إلى قوى الظلام والتزمت التي نشرت الدمار والانقسام والاقتتال الداخلي في هذه البلدان، وتكاملت مع النزعة العدوانية للولايات المتحدة الأميركية في نشر ثنائية الإرهاب و«مكافحة» الإرهاب العالمي. ودعا إلى التصدي لهذه الظواهر واستعادة الدور الحقيقي للأحزاب الوطنية التقدمية في بلداننا، بما يخدم تطورها الآمن والمستقل.
عضو سكرتارية المنظمة همسة عبدالحميد، حدثتني على الهاتف عن هذا المناضل الذي لا تنثني إرادته. كان يوم الأحد الذي سبق وفاته موعداً لترؤسه ندوة نظمتها المنظمة في القاهرة حول «العلاقات العربية الإيرانية والتطورات في أزمة الملف النووي الإيراني». تقول همسة إن مراد اشتكى من بعض وهن، لكنه رأس الندوة بتألق كما في كل مرة.
مع هذه المكالمة تذكرت آخر لقاء لي بالدكتور مراد غالب. كان ذلك يوم 28 يونيو الماضي. والمكان سفارة مملكة البحرين في القاهرة التي تبعد عدة أمتار عن منزل غالب الذي جاء ماشياً. المناسبة: لقاء استقبال سفيرنا خليل إبراهيم الذوادي وفد منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية، برئاسة الدكتور مراد غالب وعضوية سكرتير المنظمة نوري عبدالرزاق، وهمسة عبدالحميد ومحدثكم.
الموضوع: رغبة المنظمة في إقامة ندوة عالمية حول «الطاقة النووية وتحويل الخليج إلى منطقة سلم وتعاون»، في إطار احتفالات المنظمة بمرور نصف قرن على تأسيسها. كان ترحيب السفير بالوفد إلى درجة أشعرتني بما أدركه، وقاله لي الدكتور مراد غالب مازحاً: «دا احنا ضيوفك هنا اليوم». من مبنى سفارتنا ودعت الدكتور مراد غالب وأعضاء الوفد. وبعد حديث مع السفير والصديق الذوادي انطلقت إلى المطار عائداً.
لم يدر في خلدي أن ذلك كان الوداع الأخير مع الدكتور غالب. لقد تركته على أمل أن يكون ضيفاً عزيزاً علينا في «مؤتمر البحرين»! لكنه، وبينما كثرت المؤتمرات الرسمية التي استضافتها بلادنا حول قضايا «الأمن والاستقرار»، فقد عز أن تستضيف مؤتمراً يسمع فيه صوت غير الرسميين من دعاة السلم والتضامن من أجل التنمية والتقدم الاجتماعي. كان ذلك أمل الفقيد الدكتور غالب، وسيبقى أملنا أيضاً.
كاتب بحريني