«تمخض آنابوليس فولد خريطة الطريق»، هكذا يمكن أن نكثف نتائج انابوليس، فبعد أن باتت الصورة والمرجعية التفاوضية الفلسطينية ـ الإسرائيلية حول التسوية المستقبلية واضحة باعلان ابومازن واولمرت في اعقاب لقائهما الذي عقد في القدس (الجمعة ـ 26/10/2007) بحضور رئيسي طاقمي المفاوضات الفلسطيني أحمد قريع.
ووزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، بإقرار «إحياء خارطة الطريق التي تعثر تطبيقها في السابق»، وبعد أن أكدت ليفني من جهتها أيضاً خلال لقائها بمستشار الأمن القومي الأميركي ستيف هادلي: «ينبغي التوصل إلى تفاهمات يعقبها تطبيق الفلسطينيين لتعهداتهم الأمنية في إطار المرحلة الأولى من خارطة الطريق».
وكذلك بعد أن «تمخض مؤتمر انابوليس فولد خريطة الطريق» كما يستخلص الدكتور مصطفى البرغوثي في مقال له يحمل نفس العنوان، مشيراً إلى أن البيان الختامي التفاهمي المكون من ورقة واحدة فقط يذكر «خريطة الطريق ست مرات».
بعد كل ذلك أصبح ملحا استحضار ملفات الخريطة وإعادة قراءتها قراءة متجددة بهدف توضيح خلفياتها ومضامينها وأهدافها واحتمالاتها، وعلى نحو خاص المرحلة الأولى منها التي يصر الأميركان والإسرائيليون على تنفيذها من جانب الفلسطينيين أولا!
ففي الخلفيات نتذكر: منذ البدايات ربطت المحافل والتحليلات السياسية والإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية وغيرها في حينه، ما بين العدوان على العراق وضربه وتفكيكه، وما بين تداعيات ذلك على القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي المحتدم هناك في فلسطين.
فقد كتب المحلل العسكري الإسرائيلي المعروف روبن فدهتسور مبكراً يقول: «إن الهدف الإسرائيلي الأول يجب أن يكون توجيه ضربة إستراتيجية للعراق»، بينما أعربت مصادر عسكرية إسرائيلية عن موقفها في: «أن تغيير النظام في العراق أساسي بمقدار ما يؤدي إلى إضعاف الفلسطينيين».
في حين كان بلدوزرهم شارون قد صرح في عهده قائلاً: «إن هجوماً أميركياً ناجحاً ضد العراق يمكن أن يؤدي إلى وجود فرصة جديدة أمام المسيرة السياسية في المنطقة، فطالما لا يتوفر خيار عسكري لدى العرب سيبدون استعداداً أكبر لإجراء مفاوضات وللتوصل لحلول وسط..»، في حين قال الجنرال أهارون زئيفي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقا: «إن الحرب ضد العراق ستؤدي إلى تهدئة المناطق الفلسطينية، وإلى اعتدال المنظمات الفلسطينية خشية قيام إسرائيل بعملية حربية واسعة النطاق..».
غير أن ابلغ إشارة رابطة بهذا الصدد جاءت على لسان نائب الرئيس الأميركي ديك شيني الذي أعلن محرضاً: «إن الحرب ضد العراق يمكن أن تدفع عملية السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية إلى الأمام».
بينما أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش قبيل انطلاق العدوان على العراق: «إن الإطاحة بالزعيم العراقي صدام حسين ستحرم المجموعات الإرهابية الفلسطينية من الدعم الذي تتلقاه، وستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية ديمقراطية فعلا يتوجب على إسرائيل القبول بوجودها».
وقال «يتوجب على الحكومة الإسرائيلية الجديدة من ناحيتها، بعد إزالة ((التهديد الإرهابي)) وتحسن وضعها الأمني، أن تدعم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة»، مضيفاً «أن دولة فلسطينية يجب أن تكون دولة إصلاحات، دولة مسالمة تتخلى عن استعمال (الإرهاب) إلى الأبد».
وبعد ذلك التصريح بأيام أعلن الرئيس بوش أيضاً في خطاب مفاجئ، قبيل شن الحرب على العراق بخمسة أيام فقط، انه سيطرح على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي «خريطة الطريق الخاصة بالسلام بينهما، بعدما يتولى رئيس وزراء فلسطيني قوى يتمتع بصلاحيات فعلية منصبه».
وقال الرئيس الأميركي أيضاً: «بعد تسليم خريطة الطريق فإننا سنتوقع ونرحب بإسهامات من الإسرائيليين والفلسطينيين خدمة للسلام الحقيقي، وسنحثهم على أن يناقشوا الخريطة كل مع الآخر، وقد حان الوقت لتجاوز المواقف المتصلبة واتخاذ خطوات ملموسة لتحقيق السلام، كما انه يجب على إسرائيل أن تتخذ عدة خطوات من شأنها أن تساعد على إقامة دولة فلسطينية».
ومن جانبه حك توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق على جرب بوش وشارون، حينما رحب في اليوم ذاته بخطاب بوش زاعماً انه «سوف أواصل استخدام أقصى نفوذي لضمان بدء محادثات السلام بدون تأخير، وخريطة الطريق سوف تحدد مدداً زمنية وأهدافاً محددة بتواريخ لتسوية شاملة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بحلول عام 2005».
ولذلك، وعلى هذه الأرضية والخلفية حصراً، سارعت الإدارتان الأميركية والإسرائيلية معاً بعد العدوان إلى توجيه رسائل التحذير والوعيد للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، وإلى دعوتهم لاستخلاص العبر والدروس مما جرى في العراق، وقد أعربت الحكومة الإسرائيلية عن أملها في أن: «يستخلص الفلسطينيون العبر المناسبة من بغداد وان يختاروا قيادة مسالمة أكثر تعمل على مكافحة الإرهاب».
وقد ذهب ايهود اولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي بعيدا حينما قال: «إن على الفلسطينيين أن يعوا أن نتائج الحرب تفرض عليهم مرونة كبيرة، بل غير مسبوقة في كل ما يتعلق بسقف توقعاتهم من أي عملية سياسية معنا، وعليهم أن يعوا انه لا طائل من الآن فصاعداً من الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة، ولا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين».
إذن، هكذا كان الإجماع الأميركي ـ البريطاني ـ الإسرائيلي ـ الأوروبي، يقود إلى خارطة الطريق باعتبارها أهم الاستحقاقات المترتبة على تدمير وتفكيك وإلغاء العراق العربي. ولذلك نتوقف اليوم في أعقاب آنابوليس لنربط أولا بين الخريطة والعراق وفلسطين، لنتساءل مجددا، ثانيا:
أي خريطة طريق إذن هذه التي يقدمها بوش؟ وما مضامينها وأبعادها الحقيقية؟ والى أين تقود هذه الطريق؟ ولصالح من تصب في نهاية الأمر؟!
ونتساءل أيضاً: بينما احتشدت شتى المحافل والأوساط والوسائل الإعلامية قبيل وخلال وبعيد انابوليس لتبشرنا بعهد جديد وبفرصة تاريخية جديدة للتسوية في ظل رؤية بوش وخريطة الطريق، فهل بتنا اليوم حقا على أعتاب مثل هذه الفرصة التاريخية؟ وهل نحن على أعتاب مصالحة تاريخية تنتهي بإنهاء حلم «ارض إسرائيل الكبرى» لصالح الحلم الفلسطيني التاريخي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها المدينة المقدسة؟!
ثم إلى أي مدى حقا ستذهب الإدارة الأميركية في هذا الاتجاه؟ والى أي مدى ستذهب إسرائيل في هذا الاتجاه؟ وهل تحمل خريطة الطريق يا ترى حلولا جذرية سحرية للقضايا والحقوق الجوهرية والإستراتيجية المعلقة مع وقف التنفيذ؟ أم أن كل القصة، من بداياتها إلى نهاياتها، عبارة عن عملية خداع ونصب سياسي.. وان هناك عمليا خرائط أخرى خبيثة مبيتة ملغمة مسمومة في انتظارنا؟!
يجمعون اليوم على نحو عجيب على أن «خريطة الطريق» تشكل الفرصة التاريخية للحل، علما بان شارون نفسه كان قد أعلن في لقاء أجرته معه صحيفة معاريف يوم 15/4/2003 قائلاً: «إن رؤية بوش ـ الخريطة ـ هي من أفكاري أنا، عرضتها عليه في آخر لقاء بيننا وتوصلنا إلى تفاهم حولها، ولن أهدر أي فرصة للتسوية على أساسها».
ونستخلص بالتالي: طالما أن هذه «الرؤية» هي رؤية شارونية بمنتهى الوضوح، وطالما أنها فرصة تاريخية لهم، وطالما أنها لا تحمل لنا رحيلا شاملا لجيش ومستعمري الاحتلال عن نهر الأردن وعن كامل الأراضي المحتلة، وطالما أنها لا تقدم لنا استقلالا فلسطينيا سياديا حقيقيا مقنعا، إذن يمكن أن نثبت بثقة أنها ـ أي الرؤية/ الخريطة ـ سوف تصطدم بحقول من الألغام من الوزن الثقيل، وان مصيرها سيكون كسابقاتها إلى مكب المفاوضات، مهما بلغت مساحة الضغوطات الإرهابية الممارسة على الفلسطينيين!
كاتب فلسطيني