مشاهدينا الأعزاء...

أسعد الله مساءكم بكل خير أحييكم ويسرني أن أستعرض معكم برامجنا لهذا اليوم. بعد هذا العرض مباشرة، أي في حوالي الساعة الرابعة وعشرين دقيقة يلتقي أطفالنا الأعزاء مع فقرتهم اليومية (الرسوم المتحركة). يليها نشيد للأطفال تقدمه طالبات مدرسة آمنة بنت وهب.

في الرابعة وخمسين دقيقة نقدم برنامجاً ثقافياً من سلسلة (أعماق البحار). في الخامسة وعشرين دقيقة تلتقون مع المسلسل التاريخي (خالد بن الوليد). في السادسة وعشرين دقيقة تلتقون مع حلقة جديدة من برنامج (العلم والحياة). تمام السابعة نوافيكم بنشرة الأخبار المحلية والإعلانات الرسمية.

وفي السابعة والربع تلتقون مع حلقة جديدة من برنامج (مجالس الشعراء). الثامنة موعدكم اليومي مع المسلسل البدوي (وضحة وبن عجلان). نشرة الأخبار العالمية نوافيكم بها في موعدها المعتاد تمام التاسعة. بعد النشرة تشاهدون لوحة من الفن الشعبي. عرض لبرامج الغد نقدمه لكم في حوالي العاشرة ثم تبدأ سهرتكم لهذه الليلة مع الفيلم العربي (صراع في النيل).

عند منتصف الليل نوافيكم بموجز لأهم الأنباء، ثم يعلن السلام الوطني ختام إرسالنا لهذا اليوم. نتمنى لكم أسعد الأوقات مع برامجنا، أما الآن فموعد الأطفال مع فقرتهم اليومية (الرسوم المتحركة) يليها نشيد تقدمه طالبات مدرسة آمنة بنت وهب.

مشهد افتراضي لبداية الإرسال في محطة تلفزيون محلية تبث برامجها في أواخر السبعينات من القرن الماضي. هذا المشهد لم يعد له وجود في عصرنا هذا، إذ لم تعد هناك محطة تلفزيونية تبث ثماني ساعات فقط في اليوم، ولم تعد هناك فقرة أطفال لا يتعدى زمنها نصف الساعة، ولم يعد هناك أطفال يمكن أن تشبع نهمهم خمس وعشرون دقيقة من أفلام الرسوم المتحركة يليها نشيد لا تتجاوز مدته خمس دقائق، فما الذي حدث بعد ثلاثة عقود ونصف من الزمن، وكيف أصبح الوضع اليوم، وإلى أين نحن ماضون؟

كانت الأم تراقب ابنها الصغير الذي لم يكمل سنته الرابعة بعد وهو يلهو بجهاز الـ (بي. إس. بي) فإذا بها تفاجأ به يصرخ بعصبية: (غبي.. حمار)! تأملت قسمات وجهه البريئة فوجدتها تقترب من درجة التشنج لشدة الغضب. تلفتت حولها باحثة عمن يخاطبه ابنها فلم تر أحداً سواهما في الغرفة وأدركت أنه منفعل مع اللعبة التي يلعبها.

حاولت أن تستعيد مشهداً قريباً من الذي تشاهده أمامها فإذا بها تتذكر أنها سمعت هذه الألفاظ تردد بكثرة في مسلسل الكرتون الذي كان يشاهده الليلة الماضية على إحدى محطات الأطفال الفضائية بينما كانت تطعمه. عندها أدركت مدى الخطر الذي تشكله هذه المحطات على تربية الأبناء وسلوكهم وتعاملهم مع أمور الحياة منذ الصغر.

أخذت الأم جهاز الـ (بي. إس. بي) من يد ابنها وأغلقته قبل أن تسأله عن سبب كل هذا الغضب والعصبية التي كادت تبلغ به درجة التشنج. أجاب الطفل الصغير بأنه غير قادر على تحقيق الفوز في اللعبة بعد أكثر من ثلاث محاولات. نظرت الأم إلى ابنها محاولة احتواء الموقف وقالت له: اسمع يا بني؛ ليس كل ما في هذه الحياة طوع أمرنا.

فنحن ننجح في بعض المواقف ونفشل في بعضها الآخر. ليس بالضرورة أن يأتي النجاح من المحاولة الأولى أو الثانية أو الثالثة، بل ربما لا يأتي إطلاقاً في بعض الأحيان، لذلك علينا أن نتعامل مع هذه المواقف بعقل وحكمة، فالعصبية والتشنج ليسا هما الحل أبداً.

أنصت الطفل الصغير إلى أمه باهتمام لا يعني بالضرورة أنه قد اقتنع بما قالت قبل أن يرد: لكنني رأيت بطل المسلسل الكرتوني الليلة الماضية يحقق الفوز بهذه الطريقة فأردت أن أقلده كي أحقق الفوز مثله!

هنا بدأت الأم مع ابنها حواراً تعرف أنه سيطول ويتشعب، لكنه ضروري كي تتفادى الضرر الذي يمكن أن تسببه لأبنائها هذه القنوات الموجهة للأطفال دون وعي ولا إحساس بالمسؤولية، ولا هدف سوى الربح المادي الذي يمكن أن يدمر أجيالاً كاملة ويقضي على براءة أطفال تتفتح مداركهم على الحياة وهم يتلقون مفاهيمهم من هذه القنوات المدمرة.

إن نظرة واحدة على ما يزخر به الفضاء من محطات تلفزيونية متخصصة في البث للأطفال ربما تصيبنا بالإغماء ـ وليس مجرد الدهشة ـ لهذا الكم الهائل من القنوات التلفزيونية التي تبث على مدار الساعة برامج ومسلسلات وأفلام كرتون موجهة للأطفال بكل اللغات ومختلف الأشكال، حاملة إلى أطفالنا داخل مخادعهم ثقافات عديدة لا يتفق أغلبها مع ثقافتنا العربية.

ومعتقدات لا يتفق أكثرها مع معتقدات جميع الأديان السماوية، وأنماط سلوك لا تتفق مع أبسط قواعد القيم والأخلاق، وطرق تفكير تنأى بأطفالنا عن محيط أسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم. وفي ظل هذا التكاثر العشوائي للمحطات الفضائية والقنوات المتخصصة ومواقع الإنترنت العديدة، تثور تساؤلات ومخاوف حول التأثير الفعلي لهذه المصادر على صحة الطفل الجسدية والنفسية، وعلى نموه وتطوره.

تذكر الاستشارية النفسية الدكتورة غادة المسعود أن عنصري التقنين والرقابة غير واردين تماماً لدى الكثير ممن يديرون قنوات الأطفال، فما يظهر على الشاشات هو أمر لا يمكن السكوت عنه لما يتخلله من مضامين ومشاهد سيئة تحض على العنف، وإيحاءات جنسية فاضحة لا تتناسب مع مشاهديها من الكبار فكيف بأطفال الخامسة أو السادسة!

وتضيف: إن أحد المسلسلات التي عرضت شد انتباه الصغار بشكل ملحوظ، لكن النص والسيناريو لم يكونا موفقين تماماً في التخاطب معهم، فتكررت كلمة (طاعون) على لسان بطل المسلسل على مدى حلقاته كافة، بمناسبة ومن دون مناسبة. ولا يخفى على الجميع أن كلمة (طاعون) تعني الدعاء على المخاطب، وهذا أمر ينافي العقيدة الإسلامية، إذ لا يجوز أن يدعو المسلم على أخيه المسلم.

وقمة الخطأ في التوجيه السلبي الخاطئ للطفل، فهم يتعلمون في المدارس شيئاً، ويجدون ما ينافيه تماماً خلال مشاهدتهم للتلفزيون. وقد صعقت الدكتورة بكلام أحد الأطفال حين قال لها إن كلمة (طاعون) تجلب النصر والقوة، وليس كما تقول أمه بأن النصر من عند الله.

وعلى هذا يمكن أن نقيس ألفاظاً مثل (غضب الطبيعة) ومقدرة أبطال الكرتون من البشر والحيوانات على إيقاف الرياح واستنزال المطر وإحياء الموتى والكثير من الأفعال الخارقة التي ليس في مقدور البشر والحيوانات القيام بها في الواقع لأنها من اختصاص الخالق سبحانه وتعالى.

تفيد دراسة أعدها المجلس الوطني لشؤون الأسرة في الأردن حول البرامج الموجهة للأطفال العرب في الفضائيات العربية أن ذروة المشاهدة في الفترة المسائية تعرض خلالها مشاهد عنيفة بمعدل خمسة مشاهد في الساعة.

وهذا يعني أن الطفل في عمر 11 عاماً يكون قد شاهد نحو 20 ألف مشهد قتل أو موت وأكثر من 80 ألف مشهد اعتداء. وتضيف مستعينة بدراسات علمية أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) عن معدلات مشاهدة الأطفال العرب للتلفزيون أن الطفل وقبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره يقضي أمام شاشة التلفزيون 22 ألف ساعة مقابل 14 ألف ساعة يقضيها في المدرسة خلال المرحلة نفسها.

لهذا كله نقول إنه يجب إعادة النظر في كل ما يقدم في قنوات أطفالنا (الغبية) كي لا نفقد براءة أطفالنا (الأذكياء) وكي لا نضيع القيم وقواعد السلوك التي يجب أن يتربوا عليها، فما نفرط به قليلاً اليوم سوف نندم عليه كثيراً غداً.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com