في مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض الخميس وفي معرض إجابته على سؤال حول ما إذا كان راغبا بالحديث مع الرئيس السوري بشار الأسد حول الاستقرار في لبنان الغارق في أزمة سياسية، صرح الرئيس الأميركي جورج بوش «بأن على سوريا ان تبقى بعيدا عن لبنان». وأضاف أن اتصالات الرئيس الفرنسي بالرئيس السوري بشار الأسد لحل أزمة انتخاب الرئيس في لبنان لم تتم بالتنسيق مع البيت الأبيض.

وأوضح بوش قائلاً:« ان صبري مع الرئيس الأسد قد نفد منذ وقت بعيد، والسبب وراء ذلك، انه يستضيف حماس ويقدم التسهيلات لحزب الله وللانتحاريين للتسلل من بلاده إلى العراق، كما يقلق الاستقرار في لبنان».

الواقع أن أهم ملامح تطور السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بعد الحرب على أفغانستان وغزو العراق 2003 هو ان الرئيس بوش أصبح صبورا جدا على غير عادته.. ففي الحرب على أفغانستان دهش العالم بسرعة التحرك الأميركي واختيار الخيار العسكري وتدمير بلد هو أصلا مدمر ولم يصبر الرئيس بوش حتى ليسمع العالم نتائج التحقيقات التي أجريت حول حقيقة أحداث 11سبتمبر..

اما في العراق فلم يكن لدى بوش قدرة على الصبر ولو لشهر واحد قبل ضرب العراق وغزوه ولو لمجرد الحصول على إجماع الأمم المتحدة على غزو العراق او حتى يقنع العالم بقصصه المخيفة عن أسلحة الدمار الشامل التي ينوي النظام العراقي السابق استخدامها ضد الغرب.

المثير للدهشة انه بعد تلك الأحداث وارهاصات تلك الغزوات والمغامرات التي قامت بها الولايات المتحدة صار الرئيس بوش أكثر صبرا.وصارت تلك المفردة متميزة في خطب الرئيس الأميركي يلقيها عمدا او سهوا في مناسبات مختلفة.بل ولم يتفرد بها هو فقط بل ان وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس وآخرين في ادارة بوش صاروا يستخدمون مفردة الصبر ونفاده.

فعلى الرغم من ان بوش قد أعلن نفاد الصبر مع إيران الا انه لايزال صابرا ومبتعدا كل البعد عن الخيارات العسكرية التي اعتاد عليها، فلطالما احب ان يتباها أمام العالم بالقوة الأميركية الغاشمة ذات الحسم السريع.والان جاء دور سوريا التي نفد صبر بوش عليها ولكن مع ذلك فهو لايزال مصرا على ان يتمسك بخيار أميركا الجديد وهو الصبر على البلوى..

نحن في الشرق الأوسط لم نعتد صبر بوش ولكن نعتقد ان هنالك أسبابا لمتغير الصبر الذي هبط على الرئيس الأميركي. اولا: ان الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس صارت محترفة جدا في عملية الإجهاز على مشاريع بوش ومغامراته وبالتالي تلك الأغلبية علمت الرئيس الصبر وهو ما لم يتعلمه طوال حياته.

ثانيا: ان اعداء بوش الشرق أوسطيين باتوا يجيدون التعامل مع السياسة الأميركية باسلوب جديد لم تكن قد اعتادت عليه.. فبالنسبة لايران فان الاحداث صارت تؤكد يوميا ان السياسة الإيرانية استطاعت ان تعزل ادارة بوش وان تقدم اداءا دراماتيكيا قادرا على التعامل المرن مع المتغيرات الامر الذي يجعل الولايات المتحدة مقيدة الفعل والحركة لصالح حركة ناجحة ودبلوماسية ايرانية فاعلة في كثير من القضايا.

اما سوريا فقد نجحت في اثبات حسن سلوكها امام الحلفاء في ما يتعلق بقضية العراق وهو ما اعترف به اقرب حلفاء الولايات المتحدة وهم البريطانيون الذين لطالما أثنوا ولو باستحياء على دور سوريا الايجابي حيال العراق ،والامر ذاته ينسحب على فرنسا التي اعتبرت سوريا طرفا فاعلا ومثمرا في القضية اللبنانية.

وفي العموم فان النظام السياسي الدولي لم يعد يتعامل مع الدول وفق اتهامات مسبقة ترسمها قوة كبرى.بمعنى ان المجتمع الدولي صار أكثر يقظة من موضوع الاتهامات وصار هناك دائما قبول لجهود الدول الصغرى لإثبات حسن النية.وهو ما تحاول القيام به سوريا حيال قضية لبنان حيث تتعاون مع فرنسا لايجاد حل للقضايا اللبنانية الشائكة بل وربما الضغط على حزب الله لعدم التدخل في لبنان وعدم اجهاض الجهود الدولية لوضع مخرج للازمة في لبنان.

ثالثا :ان مأزق الإدارة الأميركية في العراق وانسحاب اغلب الحلفاء دون رجعة ليس فقط من العراق بل من كل مغامرات بوش جعل ادارة بوش تعجز عن القيام بتلك المغامرات التي قد تلفت النظر وتحظى بإجماع العالم وتجعل من أميركا منقذا ومن بوش فاتحا.وبالتالي لم يعد لبوش سوى الصبر سواء اتسع او نفد فانه لا خيارات تذكر امام ادارة بوش.

وعليه فان من غير المنطقي او المقبول استخدام الرئيس بوش لتلك العبارات التهديدية المفرغة المحتوى والمضمون فهو يعرف ان لا قدرة للولايات المتحدة لان تقوم بأي عمل عسكري او حتى ان توجه ضربة عسكرية حيال اي من خصومها في الشرق الوسط وحتى خصومها في العالم.

وبالتالي فاذا كانت السياسة الأميركية قد اختارت الصبر في التعامل مع الخصوم فلا داعي للتذكير المستمر بنفاده.خاصة وان دور وفعل خصوم الولايات المتحدة ربما صار أكثر جدية وفاعلية من أداء السياسة الأميركية وبالتالي فان الخوف والقلق هو ان ينفد صبر الخصوم يوما ما..!!!

كاتبة عراقية