يبدو أن العام الجاري عازم على أن لا يطوي صفحات أيامه الأخيرة، على هدوء ـ كي لا نقول انفراجاً ـ في لبنان. بالأحرى، إن الأطراف والفرقاء الداخليين والإقليميين والدوليين هم العازمون على ذلك. بل هم مصممون، على ما يبدو، على دفع البلد في طريق المزيد من التأزيم والتعقيد.. والله أعلم ماذا بعد ذلك.
فالأيام القليلة الماضية تسارعت فيها تطورات الأزمة اللبنانية وتقاطعت عند ارتفاع منسوب الانسداد؛ أكثر من أي وقت مضى. عدة عوامل تضافرت، لتؤدي بالأمور إلى هذه النقطة، أبرزها الدخول الإقليمي والدولي المباشر والصريح على خط الصراع؛ بين الموالاة والمعارضة.
دخول غير مسبوق بخطابه وعلنيته، والأهم بإسهامه في جر المشكلة إلى تخوم التحدي المتبادل؛ واحتمالات الاندفاع، بالتالي، إلى اتخاذ خطوات متقابلة قد لا يعود التراجع عنها ميسوراً، بل هي تصبح محكومة بقانون الرد والرد المضاد؛ المفتوحين على الخروج عن السيطرة، ويزيد من خصوبة مثل هذه الأرضية أن العلاقة الوحيدة ـ إذا جاز التعبير ـ بين الفريقين هي القطيعة التامة.
والأخطر أن هناك بوادر فوضى دستورية، قد تزيد من خلط الحابل بالنابل؛ وسط تلويح حكومي بالسير في طريق تعديل الدستور لانتخاب العماد سليمان؛ وتحذير المعارضة من ولوج هذا السبيل، مع التلويح باللجوء إلى خطوات مضادة. كل ذلك يجري، في ظل سباق محموم مع الوقت.
كما في ظل تعقيدات وتعجيزات غير مسبوقة. فالمسألة لم تعد تقتصر على انتخاب رئيس، أو على اعتماد الآلية الدستورية السليمة لانتخابه. صارت أكبر فهي الآن تشمل تركيبة الحكومة الجديدة؛ المفترضة ولادتها بعد انتخاب الرئيس؛ وبيانها الوزاري وما يتصل بالوضع الجديد الموعود من سياسات وتعيينات إدارية وأمنية.. وغيرها.
وزاد الطين بلة أنه عند هذه اللحظة المفصلية وبعدما تضخمت الأزمة إلى هذا الحد في أعقاب التأجيل العاشر لجلسة البرلمان الانتخابية؛ كشفت التداخلات على اختلافها عن وجهها لتدلي بدلوها وبصورة سافرة في المشكلة وحلولها. تراشق عنيف من فوق لبنان وعبره بين القوى والعواصم الإقليمية والدولية المتصارعة. بعضه أخذ نبرة التحريض الفاقع.
وكله كان بمثابة صب الزيت على النار؛ وبما يؤشر إلى أن جلسة البرلمان الحادية عشرة، باتت هي الأخرى مهددة بالتأجيل؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك، هذه المرة ومع نهاية العام، من دخول الوضع اللبناني إلى مهبّ رياح عاتية، خاصة وأن الحديث بدأ يطفو على السطح مجدداً عن «حكومتين»؛ مع مخاوف على حالة «الاستقرار»؛ التي بقيت حتى الآن بمنأى عن الهزّات فضلاً عن غياب وانكفاء الوساطات.
الاحتمال الوحيد الذي طرح كان لعقد لقاء رباعي في باريس. لكنه سرعان ما تبخّر وطارت سيرته من التداول. بموازاة هذا الخليط من الغليان والتعنيف والانسداد، أخذت احتمالات التدويل تطل برأسها، هي الأخرى.
السفير الأميركي في الأمم المتحدة يدعو مجلس الأمن إلى اعتماد آلية لانتخاب رئيس لبناني. كما عاد خيار الانتخاب بالنصف زائد واحد يتردد ذكره ولو بالتلميح أو التهويل. الأمر الذي من شأنه أن يرفع من درجة حرارة الأزمة. وهذا آخر ما تحتاجه. والخوف أن تولّد الأزمة، إذا ما بقيت أبوابها مقفلة بهذا الشكل، ديناميتها المتمردة على الكوابح؛ لتدفع بالفراغ إلى أحضان الفوضى وكل ما يتناسل عنها من مخاطر.
لقد مرّ شهر على الفراغ الدستوري. تراكم ما يفيض من الاحتقان الداخلي؛ الذي بدأ يشحنه تهويش خارجي صارخ، مشهد ينذر بعواقب وخيمة، فمتى تحصل الصحوة اللبنانية؟
