في مراحل سابقة، عندما كان التعليم في مراحله العليا لايسد عدد الشواغر من الوظائف التي تتطلبها الدولة والقطاع الخاص، كانت هناك قلة في الخبرة الإدارية والمالية والثقافية، ولهذا السبب نشأ الانبهار بما يتحدث به المعلم والخبير، والمثقف العربي، والأجنبي، وكان الشعور بالدونية ظاهرة في مجتمعنا باعتبار أن من سبقونا في الاحتكاك مع العالم، وخاصة من تخرجوا في جامعات أوروبا وأمريكا، كانوا يجيدون كل شيء، ولذلك فإن تلك المجاميع التي جاءت بدوافع شغل الوظائف لأسباب مادية أعطتنا الشيء الكثير من النجاح في ترسّم نفس الخطى، إلا أن الإشكال جاء من نقل بعض الأنظمة العربية المنسوخة من التركية إلى دوائرنا، وأجهزة تعليمنا، فكان القصور فيها بسبب التعقيدات، أودورة المعاملة التي تحتاج إجراءاتها إلى دورة طويلة، أحد العوامل التي أنشأت البيروقراطية الإدارية وجعلتها عائقاً، لنجد أن مسألة الإحلال بأنظمة متطورة جديدة تأخذ دورة طويلة قبل تنفيذها.
وقد نشأ في تلك المرحلة أن كان أي وفد مفاوض بالخارج أو الداخل يحتاج إلى خبير ومترجم كأعضاء رسميين، حتى أن التوقيع على بعض الاتفاقات في قطاعات حكومية أو مدنية اتصف بخلل كبير لم نتعاف منه إلا عندما تطور التعليم والخبرة والاحتكاك بالآخر.
فالمثقف العربي مثلاً، كان نجماً ومثالاً يُحتذى، حتى أن صفات المثُل العليا اقترنت بخاصية المثقف الذي من المستحيل أن يكون ضد هذا التصور وهو الذي اختزن في ذاكرته موسوعات ومعلومات تجعله بعيداً عن الخطأ لأن الثقافة حصانة ذاتية، ولعل هذا التصور الذي قاده زخم الإعلام المؤدلج والذي أعطى المثقف الاشتراكي البعد الكوني، والقيم الفوقية، كان نتاج دعاية متطورة أكثر منه حقائق، ومن هنا حدثت الانقسامات لنرى الوجه الحقيقي لتلك الثقافة المؤدلجة والتي أظهرت ولاءها للمبدأ أكثر من الوطن والأمة، وموروثاتنا الحضارية.
وباعتبار المرحلة جعلت المثقف سياسياً بالتبعية ومسوّقاً لفكر خارجي، فقد حدثت صدامات بين جناحيء من يؤيد الشرق الاشتراكي ضد الغربي الامبريالي أو العكس، "فتأدلجت" الثقافة سياسياً حتى أنه في نتاج مراحل الخمسينيات والستينيات تجد ذكر الطبقية والنضال مع الاعتقالات والسجون ظاهرة غير مسبوقة في ذلك المنتج، وباعتبار مجتمعنا جديداً على تلك المسارات التي عمت العالم وتأثرت بها دول عربية شكلت منهجها ورسالتها، فإن حروب الإعلام خلقت فوضاها السياسية، وكان تصديق ما يقوله المذياع لدولة ما، أثره الحاد على ذلك الجيل بما فيه أبناء هذا الوطن وشريحته المثقفة الصغيرة نسبياً.
الآن ونحن نمر بمرحلة مختلفة حيث صارت التنمية هاجس الجميع، فإن الوعي بسوق المعاملات الاقتصادية أنشأ ثقافة أخرى موازية وأكثر عقلانية، لأن طبيعة العلاقة مع العالم حولت الاهتمامات من المعارف الأيدلوجية إلى شمولية المعلومة التي زاد في انتشارها الإعلام الفضائي والإنترنت، لتفرز جيلاً أكثر التصاقاً بعالمه وبعقلانية وموضوعية أكثر حتى أن هذه الجريدة التي كان بريدها الوارد يقتصر على الرياضة والفن، تحول إلى الهموم الداخلية والاقتصادية تحديداً ثم تأتي بعدها السياسة باعتبارنا نعيش في عالم مترابط وشديد التلاصق في همومه ومكتسباته العامة.
هذا التطور كسر نجومية الخبير والمثقف الخارجي عربياً وأجنبيا، ولعل الثقة بالنفس كانت المورد الأساسي، فصارت اللقاءات والحوارات على نفس التكافؤ ونفس الكفاءة.
