مع انضمام عشر دول جديدة إلى معاهدة شينغين، يكتمل عقد المنافع الذي ستستفيد منها شعوب هذه الدول، ومعظمها من أوروبا الشرقية، نتيجة للقرار الاستراتيجي الذي تبنّته قياداتها بتغيير انتمائها الجيوسياسي بشكل جذري ومبدئي.
وبالرغم من أن الحدود السياسية للحرب الباردة كانت قد سقطت مباشرة بعد التغييرات العنيفة التي غيّرت معالم الأنظمة الحاكمة وكذلك خارطة الصراع العالمي، إلا أن إزالة حواجز التفتيش على طول الحدود الممتدة من دول البلطيق حتى البرتغال ومرورا بوسط أوروبا، له أكثر من دلالة ومغزى على كافة الأصعدة.
فعلى الصعيد السياسي تشكّل معاهدة شينغين نقلة نوعية بالنسبة للدول المنضمّة إليها حديثا، لأنها تكرّس لدى تلك الدول الخيار الانتمائي الجديد الذي تصر على تبنّيه رغم ما يشيعه من توتر ونفور لدى بعض الدول ذات التأثير الكبير مثل روسيا، وكذلك لأنه يخلق واقعاً جديداً ومتقدماً في عملية التكامل الأوروبي الآخذة بالتطور تدريجياً رغم بعض العقبات التي تواجهها بين وقت وآخر.
ولا شك بأن الخيار السياسي المرتبط بهذا الموضوع يشكّل حجر الزاوية في كل ما قد يتفرّع منه لاحقا، لأنه يبقى دائما المحرك الأساسي لأي تطور، والضامن الأكيد لسلامة تنفيذه. وانطلاقا ممّا سبق، لا يجب بأي حال من الأحوال أن نستهين بما قد يتفرع عن هذه الخطوة الاستراتيجية من منافع على الصعد الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهي منافع كثيرة تنطوي على قدر كبير من الأهمية لأنها ستعزز التضامن الرسمي والشعبي الذي أطلقته عملية التكامل الأوروبي.
ولا شك بأن إزالة الحدود بشكل نهائي سيترافق مع بعض المظاهر السلبية التي يخشاها كثيرون مثل ارتفاع نسبة السرقة وتهريب المخدرات وغيرها، إلا أن المفهوم السائد حاليا بشأن ما يمكن أن يحدث يضع جميع هذه المظاهر السلبية ضمن الإطار المقبول والمتعارف عليه في كافة الدول الأعضاء. هذا يعني بأن الدول المعنية ستكون قادرة على مواجهة هذه الآفات انطلاقا من النظام الأمني الموحّد الذي توافقت عليه، والذي يعتبر أصلا شرطا رئيسيا من شروط الانضمام إلى معاهدة شينغين.
وفي ظل المخاوف الطبيعية التي تتولد في نفوس القاطنين على ضفتي الحدود المندثرة والمرتبطة غالبا بأمور محض حياتية مثل المواصلات والسرقة وارتفاع الأسعار (أو انخفاضها) كرد فعل على ما يجري، فإن ما أثار اهتمام المراقبين في حقيقة الأمر ليس المخاوف التي تعتبر منطقية في مواجهة الواقع الجديد المجهول.
بل حقيقة أن التفكير الشعبي في دول وسط وشرق أوروبا قد تحرّر تماما من المنطق السياسي الذي كان سائدا خلال فترة الحرب الباردة، بحيث ان جميع الفئات الشعبية باتت تعتبر مسألة انتقالها (الحركي والإيديولوجي) بشكل حر حقا مكتسبا لا يجب التفريط به بأي شكل من الأشكال.
وإذا انطلقنا من بعض الاستطلاعات الشعبية التي جرت في أكثر من مكان، يتبين لنا بأن الرفض الواسع لإزالة الحواجز والذي عبّر عنه بعض مواطني أوروبا الغربية وتحديدا في النمسا، كان يعتمد على سلسلة من المبررات التي لم يكن لها علاقة بالمفهوم السياسي أو الإيديولوجي.
بل بمعطيات مرتبطة بالمخاوف من احتمال ارتفاع معدل الجرائم في المناطق الحدودية التي سقطت عنها فجأة المظلة الأمنية المشددة التي كانت تحميها. وهذا تحديدا ما يبرر لجوء نسبة كبيرة من سكان المناطق الحدودية في النمسا لشراء معدّات أمنية مختلفة مثل الكاميرات وأجهزة الإنذار وما شابه.
أما على الصعيد الاقتصادي فيتوقع المسؤولون في الدول الموقعة على معاهدة الشينغين أن يؤدي فتح الحدود إلى تكثيف التعاون الاقتصادي بين شعوبها، لأنه سيسهّل بطبيعة الحال حركة انتقال البضائع والأشخاص ورؤوس الأموال، تعزيزا للمبادئ التي يسوّق لها أصلا الاتحاد الأوروبي.
وإذا تمكّنت جميع الدول المنضمّة حديثا من تبني العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) خلال فترة منظورة من الزمن، فإنها ستستكمل بذلك واحدة من أهم الإجراءات الاقتصادية التي تدخل في سياق عملية التكامل، وستضفي على المشروع المذكور بعدا في غاية الأهمية سيقرّبها كثيرا من مسألة تبنّي هدف استراتيجي آخر ، قد يتجسد على الأرجح في تطوير فكرة التكامل الأوروبي .
وفي إطار ما يجري من تقدم في هذه العملية التاريخية التي نتحدث عنها، لا يجب أن نتناسى واقعا جديدا ستكتمل فصوله التنفيذية مطلع العام المقبل عندما ستستلم سلوفينيا كأول دولة أوروبية شرقية، مهامها كرئيس للاتحاد الأوروبي خلفا للبرتغال.
وقد يبدو الحدث عاديا بالنسبة للبعض لكنه يشكل بلا أدنى شك انعطافا تاريخيا في مسار الاتحاد الأوروبي ومشروع التكامل ككل، لأنه يكرّس مبدأ التساوي في الحقوق والواجبات المعمول به ضمن هيئات الاتحاد الأوروبي.
ويبدو من المعطيات الكثيرة المتوفرة، أن سلوفينيا التي أثبتت جدارتها في أكثر من مناسبة تاريخية ستكون قادرة على ممارسة دورها الجديد بثقة وثبات، ولها في ذلك سجل ناصع إن كان ضمن جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية (حيث كانت وبرغم صغر حجمها الدولة الأقوى اقتصاديا فيها) أم لاحقا كدولة مستقلة حيث تمكنت من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتبني اليورو قبل غيرها من الدول الشرقية وحتى الغربية.
وأمام هذه الأحداث التاريخية التي تعصف بالقارة الأوروبية من أقصاها إلى أقصاها، ماذا يسعّنا كعرب أن نستخلص من هذه التجربة ، وماذا يمكننا أن نقول لأجيالنا القادمة في وقت لا نجد فيه شيئا لكي نقوله لأنفسنا؟
لعلّ أفضل ما يمكن أن نطلقه في فضاء هذه الأمة خلال المرحلة الراهنة هو التمني بأن نكون جميعا على قدر من الوعي والنضج لاستلهام كل العبر الممكنة من مسيرة شعوب أوروبية طحنتها الحروب ودمّرت مقدّراتها، لكنها تمكّنت وبالاعتماد على وعي ونضج أبنائها من القفز فوق معظم الخلافات تغليبا للمصلحة القومية العليا.
وانطلاقا من هذا التمني الصادق، أتطلّع بشوق إلى ما ورد مؤخرا من مؤشرات إيجابية عن قمة مجلس التعاون الخليجي بخصوص تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري وغيره بين الدول الأعضاء كمرحلة تمهيدية قد تفتح الآفاق بإذن الله لمزيد من التكامل على أكثر من صعيد، وربما مع دول عربية أخرى.
لن أبالغ بإطلاق العنان لخيالي ولن أطمح بالتالي لنشوء «شينغين عربية». سأكتفي بالتطلع وبشوق كبير إلى أجيالنا القادمة التي ستكون بكل تأكيد أكثر جرأة منّا في طرح المواضيع الحساسة التي تمس الأمة، وعلى قدر أكبر من المسؤولية.
كاتب لبناني