«وإذ قال موسى لفتاه.». بهذا الأسلوب المباغت والمفاجئ تنقلنا سورة الكهف إلى أجواء قصة وقعت أحداثها قبل نيّف وثلاثة آلاف عام، ولكن المذهل في هذه القصة المشحونة بالأسرار والمفاجآت يكمن في أن مفاجآتها لم تنته عند حدود الزمان والمكان.
وفي الأسلوب الذي رُويت به وتعددية ابعاد النصّ حتى تسامى على تكوينه اللفظي وتحول إلى دفق لا منقطع من الرؤى والأفكار، ومع أنه نص يضجّ بعبق التاريخ، إلا أنه يفيض بالتجدد والمعاصرة، بل ويدّخر للمستقبل من المفاجآت والأسرار أكثر مما استُخرج منه في الماضي.
هذه محاولة لقراءة مغايرة في هذا النص المدهش؛ إنها بالأصح ملامسة للهالة الرمزية المحيطة بالشخوص التي زخرت بها القصة، ولأنها ملامسة فلن تحتاج إلى إجراء إسقاطات لها على الواقع، لأن الشفافية التي تشع منها تجعل الإغراق في الوضوح نوعا من التضليل والخداع.
أول شخصية ترتقي مسرح القصة هي شخصية القائد صاحب الإرادة الحديدية وهو يرسم رؤيته للمهمة التي يمضي لإنجازها متخذا القرارات الحازمة استعدادا للصعاب المحتملة (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، أو أمضي حُقُبا).
ولكن موسى عليه السلام لا يمضي وحده لأن القيادة ليست إلا إنجازاً جماعياً، ولهذا يختار مساعديه وبطانته ويطلعهم على رؤيته تلك (وإذ قال موسى لفتاه..)، ولأنه قائد محنّك فإنه لا يختار مساعديه من قارعة الطريق، بل يتحرى الدقة في قدرتهم على التضحيات وتحمل مشاق المسيرة.
وينتقي من يتوسم فيهم المعرفة والمهارات المهنية والقدرات الشخصية والسلوكية التي تؤهلهم للأدوار المحددة لكل واحد منهم، ثم تنطلق المسيرة لا بالمعجزات والخوارق بل بالجهود البسيطة، فسار موسى النبي القائد إلى هدفه ماشيا على قدميه ولم يطلب من الله أن تحمله الريح، لأن المعجزات والخوارق الخالدة هي تلك التي يصنعها إصرار المخلصين وصبرهم ومعاناتهم.
وهنا تلقي القصة بصيصاً خافتاً من الضوء على شخصية الفتى (يوشع بن نون)، أو الوزير أو البطانة أو بمفهوم اليوم الموظف الحكومي الذي يتلقى التعليمات ويمارس المسؤوليات المنوطة به في إطار الرؤية وأهدافها التي رسمتها القيادة، فيقوم بواجباته الوظيفية على الوجه المطلوب.
ويشارك القيادة أمانة المسؤولية في تنفيذ المهام التفصيلية والصغيرة التي لا يتسع وقت القيادة لأدائها؛ وهنا تبدأ مشاكل التنفيذ والأخطاء المفاجئة أو غير المقصودة في الظهور، وهذا هو ما يجعلها مسؤولية جماعية (نسيا حوتهما..) مع أن الفتى هو الذي نسي الحوت.
ورغم ذلك فإن هذا الموظف يتحلى بقدر عال من استشعار المسؤولية وتقدير الموقف فيرى في فقدان السمكة خطأ غير مقصود وغير جسيم ولا يجب تعطيل المسيرة العظيمة بسبب صرف اهتمام القيادة إلى الأشياء الصغيرة، إلا أنه عند المساءلة لا يتلكأ ولا يتهرب من الاعتراف بمسؤوليته عن الخطأ (فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره..).
لأنه يعلم أنها مساءلة للتصحيح وليست لتصفية الحسابات، وبهذه النفسية الجريئة والشجاعة تتضح الطريق وتتساقط كل التحديات أمام المسيرة لتنتقل إلى مراحلها المتقدمة قفزا؛ أما القيادة المتألقة فلا تتردد لحظة واحدة في اتخاذ قرار العودة إلى المسار الصحيح فور اكتشاف أي انحراف، لأن الطريق الصحيحة هي الغاية المقصودة وليس الاتجاهات الخاطئة (قال ذلك ما كنا نبْغِ، فارتدّا على آثارهما قَصصا)، ثم تختفي هذه الشخصية من بقية القصة أو تتحول إلى جزء من ظلالها، وهكذا هو دائما قَدَر الجنود المجهولين.
وعندما تصل المسيرة إلى هدفها الأول، تظهر شخصية المؤسسة التعليمية أو العالم أو المعلم (الرجل الصالح أو الخَضِر عليه السلام) الذي يحمل رسالة خدمة البشرية قبل أن يحمل المؤهلات والإمكانيات العلمية والتعليمية (آتيناه رحمةً من عندِنا، وعلّمناه من لدُنّا علما).
ومن هنا فإن إدراكه لطبيعة العلم الذي يدرّسه يجعله يقيّم قدرات تلاميذه الشخصية واستعداداتهم النفسية والعقلية وقابليتهم لاستيعابه قبل أن يتورطوا بإضاعة أعمارهم في طلب علم لا يتوافق مع تلك القدرات (قال إنك لن تستطيع معي صبرا)، لأن العلم أيا كان مجاله ليس مطلوبا للمباهاة به أو لارتقاء كراسي المناصب، بل للاستفادة العملية منه عند تطبيقه بما يعود بالمنافع أو تجنب الأضرار.
ومع ذلك لم يقف هذا العالم حائلا دون إصرار موسى على طلب ذلك العلم، فكان لابد من وضعه في قلب الاختبار (قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء..) ليدرك موسى أن استعداداته وقدراته لا تتناسب مع متطلبات هذا العلم، وأن التخصص العلمي سيبقى قدر البشرية حتى تتكامل الجهود العلمية.
وتبقى إبداعات البشرية وإنجازاتها الحضارية إلى الأبد جهودا جماعية لا مكان فيها للفردية والأنانية، (فانطلقا..) ليعلّمه أن المعرفة التي سيحصل عليها من الدروس العملية أهم من الدروس النظرية، أما أعظم دروس القصة فكان في القيمة الهائلة للمعلومات والبيانات عندما يحسن البشر استخدامها للتنبؤ بالأحداث المستقبلية وتجنب الكوارث والأزمات قبل وقوعها.
أثناء هذا الحوار يطل موسى عليه السلام مرة ثانية بشخصية مختلفة، فيتخلى عن شخصية القائد ولا يتحرج أو يخجل من أن يعود تلميذا أو طالب علم متعطشا إلى المعرفة، إذ ما إن وقعت عينا موسى على الرجل الصالح (المؤسسة التعليمية) حتى بادره فورا (هل أتّبعُك على أن تعلّمنِ مما عُلّمت رشدا).
ولم يغترّ بما عنده من العلم، ولم يرهبه تحذير معلّمه من عدم الاستطاعة على ضبط النفس أو ما يعني ضمنيا أنه لا يمتلك الاستعدادات والمواهب الخاصة، بل جازف بالمحاولة (قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا)، ثم استسلم موسى فورا لقواعد الدرس وتوقف عن طرح الأسئلة، لأن التلميذ المثالي - عندما يبدأ الدرس - تنتبه كل حواسه لاستقبال المعلومات، ويؤجل الأسئلة مهما كانت ملحّة لما بعد ذلك، ولهذا كان يرسب في كل اختبار لم يحترم فيه هذا المبدأ.
ومع الدرس الأول تصل المسيرة إلى هدفها الثاني، حيث نلمح شخصية الاقتصاد القائم على قواعد وأسس غير علمية ممثلا في أصحاب السفينة، أو التجار أو بلغة العصر رجال الأعمال من أصحاب المشروعات الصغيرة (مساكين يعملون في البحر) والذين يمارسون أعمالهم بطريقة تقليدية والاكتفاء بالمغامرة، دون دراسة للظروف السياسية والاقتصادية المحلية والدولية السائدة.
ودون استقصاء للمعلومات والبيانات التي تساعدهم على تخطيط نشاطهم الاقتصادي وتوجيه استثماراتهم إلى المشروعات المجدية اقتصاديا، فيعرضون بذلك استثماراتهم ورؤوس أموالهم، لاسيما عند محاولة اختراق الأسواق الخارجية، إلى المخاطرة (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا).
وخصوصا عندما لا تزوّدهم مؤسساتهم الرسمية المسؤولة عن تطوير الاقتصاد والاستثمار بتلك المعلومات والإرشادات، أو عندما تعجز دولتهم بسبب ضعف قدراتها العسكرية أو علاقاتها السياسية عن حماية أموالهم واستثماراتهم وهي تعبر الحدود الدولية.
مع الدرس الثاني ينقلنا مسرح القصة إلى البناء الأُسري في المجتمع، فتقفز أمامنا فورا شخصية الحَدَث الذي تغلَّب تأثير البيئة الخارجية في مرحلة طفولته ومراهقته (غلام) وهي أهم مراحل تكوين شخصيته وسلوكه على تأثير البيئة الداخلية (الأسرة) في تربيته رغم وجود القدوة الصالحة في محيطه الأسري (فكان أبواه مؤمنين..).
لأن هذا الجيل وجد عوامل الإثارة والمتعة واكتشاف الذات في الشارع وفي أماكن اللهو والترفيه بينما افتقدها في البيت، ولأن البيئة الخارجية فقيرة بطبيعتها إلى الأخلاق والقيم ومتخمة بكل أشكال الفساد.
فقد أحدثت انقلابا مخيفا في حياة هذا النشء جعله يتجاوز مرحلة رفض الموروث الأسري بعاداته وتقاليده إلى مرحلة التحفز للانقضاض عليه من أجل تغييره واقتلاعه من جذوره واستبدالها بجذور فاسدة (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا)، لاسيما وأن ظروف المواجهة في صالحه لأنه أقوى بدنيا وأفقر عاطفيا ويقف في وجهه خصم أضعف بدنيا وأثرى عاطفيا.
ثم تطل شخصية المجتمع المتفكك، حتى أن كل بيت فيه بأفراده المغرقين في الأنانية والفردية يرى أن المجتمع بأسره ينتهي عند سوره؛ وإن مجتمعا كهذا أفراده بلا عطاء لدرجة البخل على عابري سبيل جائعين (فأبَوا أن يضيفوهما..).
وبلا حد أدنى من الأخلاق حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم مجرد الاعتذار اللطيف (فأبَوا..)، وإن مجتمعا لا يأبه إلى إصلاح وصيانة بنيته التحتية (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض..)، وإن مجتمعا يأكل بعضه حقوق بعضه الآخر حتى أن فردا من أفراده لا يجد من يستأمنه على المال الذي يريد ادخاره لأبنائه فيضطر إلى إخفائه تحت جدار.
ليأتي الرجل الصالح ليقيم ذلك الجدار حتى لا ينهار فينكشف الكنز فيستولي عليه أهل القرية بدلا من أن يبحثوا عن أصحابه ليردّوه إليهم، إنه مجتمع مفكك ينهشه الفساد وتسوده اللامبالاة ويزرع عوامل تخلفه.
وأخيرا تظهر على مسرح القصة شخصية المجتمع الدولي الذي تحكمه علاقات اقتصادية وسياسية غير متكافئة، ممثلا في الملك الذي (.. يأخذ كل سفينة غصبا)، وهو وضع يعطي الدول القوية أو المتقدمة أفضلية نسبية ولكنها لا تستغلها لتبادل المعرفة والتعاون، بل لنهب الثروات الطبيعية للدول الفقيرة والضعيفة أو للاستيلاء على رؤوس الأموال والاستثمارات القادمة إليها من تلك الدول، مستخدمة في ذلك قوانين التبادل التجاري الجائرة.
والاتفاقيات التجارية التي تنتزع لنفسها حق الأفضلية، وفرض الضرائب الغريبة في شكلها ومقدارها (كضريبة الكربون)، وتجميد أرصدة تلك الدول في مصارفها، وصولا إلى التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول أو استخدام القوة العسكرية المتخفية تحت غطاء الشرعية الدولية.
كاتب إماراتي