في لبنان وعلى ما يبدو أن زمن الوصاية السورية العربية القريبة يمضي بينما زمن الوصايات الدولية الأميركية والفرنسية الغريبة يجيء، وزمن التدخل العربي السوري لوقف الحرب الأهلية اللبنانية بغطاء لبناني وعربي ودولي يمضي، بينما زمن التدخلات الإسرائيلية والأميركية والأطلسية بغير غطاء إلا القوة وقرار دولي بضغط أميركي على مجلس الأمن في زمن وحيد القرن يجيء..
وزمن الدور العربي للترويكا المصرية السعودية السورية في اتجاه الوحدة الوطنية اللبنانية يمضي، وزمن الأدوار الأميركية والصهيونية والغربية للترويكا الأوروبية على حساب الوفاق والوحدة الوطنية اللبنانية يجيء!
ويبدو أن ما يبدو في الصورة الإعلامية غير ما يرسو في الواقع اللبناني على الأرض، بدليل الإحساس الأميركي بعدم فعالية السفير الأميركي «فيلتمان» رغم تصريحاته الفجة وحركاته المكشوفة وتدخلاته السافرة مع صعود دور الخارجية الفرنسية والسفير الفرنسي.
وبدليل غضب الوزير الفرنسي «كوشنير» بسب تعطيل سير المبادرة الفرنسية السورية نحو الوفاق اللبناني بسبب التحريض الأميركي على لسان الوزيرة «رايس «لحلفائها بالتشدد لتنفيذ الأجندة المشتركة، وبسبب الرفض الأميركي لمبادرة فرنسية سورية تحاول الوقوف على مسافة واحدة من الموالاة والمعارضة.
وبدليل مجيء مساعد الوزيرة الأميركية «وولش» إلى بيروت فجأة مرتين، مرة وحده بأمر من رئيسته «رايس»، والثانية بأمر من رئيس رئيسته «بوش» بصحبة المحافظ «أبرامز» مساعد مستشار الأمن القومي، وتصريحاته التي عكست أوهامه بأنه بفضل الغياب العربي الموحد والمؤثر في لبنان.
وبفضل غياب الوفاق السياسي الوطني بين الساسة اللبنانيين يمكن للأميركيين حلفاء الإسرائيليين الاستراتيجيين الحضور بقوة إلى الساحة اللبنانية للتمدد في الفراغ العربي القريب بل والغربي الغريب. إلى حد إصدار التعليمات الاستفزازية لرئيس مجلس النواب والنواب لاختيار مرشح بعينه في يوم بعينه في انحياز واضح لطرف ضد آخر.. وإلا!!
هل يمكن لأحد سوى أن يقبل حتى في زمن الهوان العربي والتدخل الغربي أن يتجرأ مجرد سفير مساعد وزيرة خارجية دولة أجنبية ساعدت عدو لبنان في العدوان عليه ومنعت مجلس الأمن من إصدار قرار بوقف العمليات لثلاثة وثلاثين يوما لعل إسرائيل تنجح في تدمير إرادة لبنان.
فلما فشلت منعت مجلس الأمن ليس فقط من عدم إدانة العدوان الإسرائيلي بل حتى من إصدار قرار بوقف إطلاق النار، أن يقول ما قال أو يفعل ما فعل في حق استقلال وسيادة وكرامة لبنان، والأخطر بل الأكثر مهانة أن يقبل ذلك فريق عربي أو لبناني!
وولش بلسان سيدته رايس بعد مقابلة مع زعيم الموالاة ورفض لقاء زعيم المعارضة قال: «على رئيس البرلمان أن يقوم بواجبه وأن يسمح للبرلمان بالانعقاد والتصويت، وعلى النواب أن يقوموا بواجبهم بانتخاب رئيس جديد دون أية شروط أو أي تأجيل.. لكن النكتة الأكثر سخفا هي زعمه بأن عدم سماع المعارضة لهذه التعليمات الأميركية «هو مخاطرة باستقلال وسيادة لبنان».
وحتى الآن لا ترجمة لما يعنيه الأميركان باستقلال وسيادة لبنان سوى استقلال لبنان عن أشقائه وسيادة أعدائه عليه وعلى أشقائه. ورد الرئيس بري المحترم لكرامة بلده وكرامة النواب ولكرامته الشخصية بينما كان يجتمع مع رئيس حكومة الموالاة الرئيس السنيورة، قائلا: «إنه يعرف مسؤولياته وواجباته الدستورية جيدا، وعلى وولش أن يضغط فقط على من يمكن أن يستمع إليه ويطيعه». مما دفع وولش إلى التراجع النسبي بعد الرد الواضح من بري عن تصريحه الفج السابق وإعادة صياغة كلامه.
لكن خيبة الأمل الأميركية في لبنان بعد خيبتها في العراق وفى أفغانستان بل وفى فلسطين جعلها لا تفقد صبرها فقط بل تفقد صوابها، وذلك بانحيازها الفج لفريق دون فريق وللموالاة ضد المعارضة وبتهديدها الفاضح للمعارضة اللبنانية وللقيادة السورية على لسان رئيس الإدارة الأميركية لهدف وحيد هو نسف إمكانية التفاهم اللبناني اللبناني واللبناني السوري، وإجهاض المبادرة الفرنسية السورية!!