بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة مشوار إصلاحها السياسي بإدخال الانتخابات الجزئية لأعضاء المجلس الوطني في إطار فلسفة التطوير المرحلي بأسلوب الخطوة ـ خطوة من أجل إصلاح هذه المؤسسة الاتحادية وتطويرها لتؤدي واجبها التشريعي في المستقبل.

ورغم أن هذا التطوير هو بداية جيدة إلا أن ما تحقق على أرض الواقع في هذا المجال ما زال لم يلامس الفكر الأساسي لتطوير المجلس ليصبح مجلسا ذا صلاحيات تشريعية، والحقيقة أن الشواهد إلى الآن لا تبشر بتطور حقيقي في هذا المجال.

إن التطور المرحلي الذي اتبعته التجربة الإماراتية لم يساير الاعتبارات التقليدية التي تشير إلى ضرورة إحداث الإصلاح من مراحله الأولى والمتمثلة في إنشاء مجالس بلدية منتخبة وذات صلاحيات تشريعية في كل إمارة ومن ثم التطور التدريجي نحو المجلس الوطني الاتحادي. هذا هو أساس التطور المرحلي للمشاركة السياسية الفاعلة إذا أردنا اتباع أسلوب التدريج والخطوة ـ خطوة نحو إحداث إصلاحات سياسية جادة.

الواقع يشير إلا أن المجالس البلدية تلعب دوراً مهماً في تسيير الحياة اليومية لحياة مواطني ومقيمي الإمارات المختلفة وتمس هذه المجالس الكثير من جوانب حياة الأفراد بشكل مباشر أكثر مما يلامسه المجلس الوطني الاتحادي من قضايا. فدستور الإمارات أعطى الإمارات المحلية صلاحيات واسعة لتسيير شؤونها الداخلية وهي تلك الشؤون التي تمس رعايا تلك الإمارة بشكل مباشر.

وعليه فإن إصلاح المجالس البلدية لتكون أكثر ديمقراطية في التمثيل لهو كفيل بطرح قضايا المواطنين بشكل أكثر موضوعية وأكثر ملامسة لهموم الناس وقادرة أيضا على أن تكون نواة طيبة لخلق ثقافة ديمقراطية جديدة في مجتمع الإمارات تبدأ من العروق ومن قاعدة المجتمع.

ليس غريبا القول بأن أكثر ما يهم المواطن اليوم متعلق بشأنه المحلي أكثر من شأنه الاتحادي، فالكثير من مناحي الحياة التي تمس المواطن مباشرة تضطلع بها الحكومات المحلية وهذا هو حال الدولة الاتحادية أو الفيدرالية التي تفصل بين قضايا محلية هي من مسؤولية كل إمارة وقضايا اتحادية هي من مسؤولية الاتحاد.

وبالتالي فإن الإصلاح السليم يتطلب إصلاح المجالس المحلية قبل أصلاح المجلس الوطني الاتحادي، حيث إن إصلاح المجلس الوطني الاتحادي يجب أن يكون لاحقا لإصلاح المجالس المحلية باعتبار أن المجالس المحلية في جميع الدول الاتحادية هي الأساس للتطرق للقضايا التي تمس حياة المواطن اليومية في حين أن المجالس الوطنية أو البرلمانية صلاحياتها تكون أكبر وترتبط بسياسات عامة أكثر من قضايا مباشرة تهم المواطنين بشكل فردي.

بعض الإمارات طورت نظام المجالس البلدية وفعلته بشكل يمكن أن يخدم مصالح المواطنين في مختلف المدن لكن بقيت تلك المجالس بعيدة عن التمثيل العصري للمواطنين وسيطرت عليها المعايير التقليدية في التعيين والتي لم تؤد إلى فرز كفاءات قادرة على العمل بشكل إيجابي وإنما أسست لإطار يكرس من خلاله الأسلوب التقليدي البعيد عن التمثيل الموضوعي للمواطن وتبعد القدرات الوطنية الشابة عن المساهمة وتقديم ما لديها من قدرات ولا ترسخ لفكرة المواطن أولاً بل تعمل تلك المجالس على ترسيخ مصالح الأعضاء أولاً.

المجالس البلدية هي الأساس في الإصلاح إذا أردنا أن نقيم نظاماً أكثر تطوراً وأكثر تعبيراً عن هموم المواطن. نعم المجلس الوطني الاتحادي مهم وإصلاحه ضروري لكن البداية لابد أن تنطلق دائماً من الأساس الذي يمس المواطن مباشرة ثم ننطلق للقضايا التي تمس الوطن بشكل أكبر.

وإن وجود مجالس بلدية متطورة إلى جانب برلمان اتحادي متطور هو أمر ضروري في الدول الاتحادية للوصول إلى حلول ناجعة لقضايا المواطن المحلية ولقضايا الوطن بشكل عام. وجود مجالس بلدية متطورة وأكثر تمثيلاً وديمقراطية سيرفع العتب عن المجلس الوطني الذي أصبح الكثير من المواطنين لا يجدون منه جدوى لابتعاده عن همومهم المباشرة والتي تعتبر كثيرة ومتعددة.

ولا يمكن للمجلس الوطني الاتحادي التطرق إليها بشكل كامل ومستمر حتى لا يتحول المجلس الوطني الاتحادي إلى معالجة قضايا يمكن معالجتها عن طريق المجالس البلدية المحلية التي تعتبر أكثر دراية في الشؤون المحلية بكل منطقة من المجلس الوطني الاتحادي.

خذ الكويت مثالاً على ذلك، لقد أصبح مجلس الأمة الكويتي بمثابة مجلس بلدي تعالج فيه الخلافات الصغيرة وتترك فيه القضايا الكبيرة والمصيرية وذلك لغياب تفعيل دور المجالس البلدية التي يجب أن تقوم هي بمثل تلك المهمة.

فإذا كان ذلك الوضع في دولة موحدة كالكويت فما بالكم بالوضع في دولة اتحادية كدولة الإمارات التي يوجد فيها فصل بين ما هو محلي وما هو اتحادي؛ بالطبع فإن المجالس المحلية هي صاحبة الأولوية في أن يتم تطويرها لأنها تمس حياة المواطن وغير المواطن بشكل مباشر أكثر من غيرها من مجالس اتحادية. وكما أن المجلس الوطني الاتحادي من المفترض أن يكون مكملاً لعمل الحكومة الاتحادية فإن المجالس المحلية من المفترض أن تكون هي أيضا مكملة لعمل الحكومات المحلية.

فكرة إدخال المجالس المحلية على الإمارات هي فكرة رائدة تستحق منا الوقفة لما لها من أهمية قصوى ومباشرة في حياة المواطن والمقيم. فالإصلاح السليم يبدأ من الأسفل وينطلق خطوة ـ خطوة نحو الأعلى وليس العكس.

فمهما ركزنا من جهد لتطوير المجلس الوطني الاتحادي إلا أنه سيبقى هناك الكثير من القصور باعتبار أن الدول الاتحادية تتطلب وجود مجالس تشريعية محلية موازية للمجلس التشريعي الاتحادي، ولعل في فكرة المجالس البلدية أفضل أسلوب لتحقيق مثل ذلك الأمر.

لكن ذلك الوضع يتطلب خطة عمل وطنية لإقامة مجالس بلدية ديمقراطية على مستوى الإمارات تتفاعل من خلالها الحكومات المحلية مع الحكومة الاتحادية على تطوير مثل هكذا مشروع. فالمجالس البلدية المنتخبة يجب أن لا ينظر إليها على أنها تقليص من سلطات وصلاحيات الحكومات المحلية بل لابد أن تعتبر جزءاً مكملاً لها تماما كما يجب أن يعتبر المجلس الوطني الاتحادي مجلسا مكملا للحكومة الاتحادية وليس منافسا لها ولصلاحياتها على الإطلاق.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com