تتحدث إدارة بوش هذه الأيام عن «تحسن الأمن» في العراق. لكن سواء كان هذا التحسن تطوراً طارئاً مؤقتاً أو مرحلة جديدة مستديمة فإن الحقيقة الكبرى التي لا تقبل جدلاً أو مراءً في كل الأحوال هي أن العراق والشعب العراقي كانوا في عصر صدام أفضل حالاً سواء من الناحية الأمنية أو النواحي المعيشية العامة.

وعلى أية حال يبقى السؤال الأكبر الذي لا يلقى لدى إدارة بوش إجابة وهو: إلى متى؟.. أي إلى متى يبقى شعب العراق رهين ظروف زمنية متقلبة وأحوال معيشية بائسة على مدى ما يقارب السنوات الخمس حتى الآن منذ أن تحول إلى ساحة حرب في ظل احتلال أجنبي.

في تفسيرها الرقمي لحالة «تحسن الأمن» أن معدل حوادث القتل في العراق هبط في المتوسط إلى 20 حادثة في اليوم بالمقارنة مع متوسط مئة حادثة في العام الماضي، لكن حتى لو صحت هذه الأرقام ـ وقد اشتهرت الأجهزة العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة بالتلفيق الاحترافي ـ فإن صدام حسين، على قسوته الدموية، لم يكن يمارس القتل بمعدل 20 حكم إعدام على نحو يومي. فقد كان العراقيون في عهده يتمتعون بعيش آمن وخدمات صحية وتعليمية وترفيهية نادرة النظير في أنحاء العالم العربي.

على مدى السنوات الخمس ظلت القوات الاحتلالية ترسم وتنفذ «خطة أمنية» تلو أخرى حتى بلغ عددها الآن تسع خطط.. كلها فاشلة، وقوام الخطة التاسعة الحالية هو تشكيل مجموعات قتالية من عشائر السُنَّة أطلق عليها «مجالس الصحوة» يتلقى أفرادها أسلحتهم ورواتبهم من القوة الاحتلالية ليتفرغوا ـ وكأنهم وحدات مرتزقة ـ لمحاربة مقاتلي تنظيم «القاعدة» العراقي.

إنها خطة كسابقاتها محكوم عليها، بالفشل عند نهاية المطاف، حين تتوصل هذه المجموعات والعشائر السنية إلى قناعة حتمية بأن المسؤول عن إقصائهم وعن قسمة السلطة وقسمة الثروة النفطية ليس «القاعدة» وإنما هو ائتلاف الشيعة.

وفي هذه الحالة فإنهم سوف يوجهون سلاحهم صوب الفرق والميليشيات الشيعية المسلحة، وبذلك تتجدد الفتنة الطائفية الدموية على أوسع وأشرس نطاق. بل قد يذهبون أبعد من ذلك ويجددون تحالفهم مع تنظيم «القاعدة»، لممارسة القتال المشترك ضد جنود الاحتلال الأميركي.

لقد خلق الأميركيون وضعاً غريباً في العراق. كقوات غازية دخلت القوات الأميركية البلاد وهي متحالفة عسكرياً وسياسياً مع قادة الشيعة العراقيين الموالين لإيران للإطاحة بنظام صدام وحزب البعث باعتبار أنهم يمثلون السُنَّة الذين تصنفهم القيادات الشيعية كأعداء تقليديين.

وهكذا ساعدت القوة الاحتلالية ائتلاف الشيعة على تسلم السلطة والسيطرة عليها حتى يومنا هذا علماً بأن الائتلاف متحالف مع طهران، الأمر الذي أدى إلى نشوء مقاومة سنية مسلحة ضد القوات الأميركية والميليشيات الشيعية معاً.

وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق من صنع يديها تعجز عن الفكاك منه. فقد فشلت كل مساعيها لحمل الائتلاف الشيعي على الانخراط في مصالحة وطنية تتيح للجماعات السنية المشاركة في السلطة على أساس المساواة.

وهي تخشى الانسحاب من العراق نهائياً وتركه لمصيره، لأن مصيره في هذه الحالة هو أن يتحول إلى دولة شيعية خالصة يكون نظامها امتداداً عملياً لنظام الثورة الإسلامية الإيرانية. ويبقى الوضع الراهن وكأن إدارة بوش نفذت غزواً بتكلفة 800 مليار دولار وأربعة آلاف قتيل أميركي من أجل تسليم العراق لإيران كهدية مجانية!