الإشارات والتلميحات التي أرسلتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، باتجاه إيران وسوريا غير مألوفة. مفرداتها جديدة وصيغتها ملفتة. بمعايير خطاب إدارة الرئيس بوش، هي تشي بتطور ما. قد لا يتجاوز التكتيك وجسّ النبض. لكن في الوقت نفسه، قد يكون فتحة ولو مواربة، لبوابة العلاقات. أو ربما لمقاربة واشنطن للملفات الساخنة والعاجلة.

صحيح أن لغة الانفتاح التي تحدثت بها الوزيرة لم تكن خالية من الشروط المسبقة المعروفة ـ بالنسبة لإيران، قبولها بقرار مجلس الأمن الخاص بتعليق تخصيب اليورانيوم ـ . لكن الكلام الأميركي لم يسبق أن كان بمثل هذا الوضوح، حول استعداد الإدارة لبناء «علاقات أفضل»، مع البلدين. ولا حول استعداد رايس «للقاء نظيرها الإيراني في أي مكان وأي وقت للتحدث في أي شيء».

ان يصدر مثل هذا التصريح عن إدارة لم يكن في قاموسها سوى نقيضه؛ فذلك ليس من غير دلالات. خاصة وانه يأتي على خلفية مستجدات ومعطيات، ترجح حصول تحوّل؛ ولو اضطراري تكتيكي. فالمعلوم أن هناك جدلاً، بل صراعاً، ساخناً في واشنطن بين مدرستين:

* المتشددون من بقايا المحافظين الجدد؛ أصحاب سياسة العصا في التعامل مع طهران ودمشق. ومن أبرز رموزها نائب الرئيس تشيني.

* ومدرسة البراغماتيين الداعين إلى فتح حوار مباشر مع إيران؛ على غرار ما حصل مع كوريا الشمالية. وكذلك مع سوريا. رايس من أبرز رموز الإدارة؛ المتعاطفين، ضمناً، مع هذا الفريق. وقد ترافق هذا «الانفتاح» مع اعتراف الإدارة بأن محاولاتها قد فشلت حتى الآن، لفرض عقوبات دولية جديدة؛ على إيران.

كما أنه يأتي عشية زيارة الرئيس بوش، أواسط يناير، إلى المنطقة؛ وسط سعي دؤوب، في الآونة الأخيرة، لإضفاء مسحة سلمية مختلفة على سياسة إدارة بوش؛ قبل سنة على رحيلها. لكنه سعي لم يبارح، حتى الآن، ساحة الخطاب.

المحك، في أن يتحول إلى موقف. تجربة أنابوليس، لغاية هذه اللحظة: لا تشجع على توقع حصول مثل هذا التحوّل. واشنطن اكتفت بتكرار الكلام المعسول. مع أن الوقت لم يعد يسمح بهذا الترف. في مثل هذه الأيام من العام المقبل يكون الرئيس بوش مشغولاً بجمع أوراقه للرحيل.

وإذا كان ما جاء على لسان وزيرته يعكس حصول غلبة للمدرسة البراغماتية؛ فالمدة المتبقية بالكاد كافية لترجمة ولو بدايات التوجه الجديد؛ الذي بدا كلام رايس أنه يؤسس له. طبعاً يستلزم ذلك، إذا ما كانت الأمور كذلك، خطوات إقليمية متقابلة. أو على الأقل مسهّلة ومكملّة. لاسيما وأن الفترة الأخيرة شهدت ما يمكن أن يشكل منطلقاً لتطوير المواقف والعلاقات. سواء كان ذلك في المشاركة بمؤتمر انابوليس أم في اللقاء على مستوى السفراء في بغداد بين طهران وواشنطن.

في السياسة «لا أعداء دائمون» كما قالت الوزيرة رايس وقبلها الرئيس ديغول. الظروف والتطورات تفرض تبدّل المقاعد. خاصة عندما تؤكد التجارب أن المقاربات والسياسات كانت خاطئة وبالتالي خاسرة ولابدّ من استبدالها. أو في أقلّه محاولة طرق أبواب البدائل.

إدارة الرئيس بوش قضت سبع سنوات على خط واحد. لم تتزحزح بالرغم من التعثر والكوارث التي نتجت عن التشبث بهذا الخط. إذا كان كلام الوزيرة تلويحاً بإمكانية سلوك سبيل آخر يقوم على الحوار لمعالجة ملفات المنطقة؛ فانه لا شك يكون نقلة نوعية ولو متأخرة. فان تأتي متأخرة أفضل من أن لا تأتي. لكن الحكم في ذلك سابق لأوانه.