كثيرة هي أساليب التنكيل والتعذيب والبطش التي تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني بحق أبناء الشعب العربي الفلسطيني ولا نستطيع حصرها أو عدها ولكن تبقى سياسة الحواجز والتحكم في المعابر بمثابة معاناة يومية لكل فلسطيني حيث يصطدم بها عند خروجه من بيته صباحا إلى أن يعود في المساء ـ هذا إذا عاد سالماً-.
ينتشر في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 600 حاجز عسكري صهيوني تقطع أوصال المدن والقرى والمخيمات وبعضها يقسم القرية الواحدة إلى عدة أجزاء ويحتاج بعض الفلسطينيين إلى يوم كامل للوصول إلى بيوت أقاربهم الذي لا يكاد يفصلهم عنه سوى بعض خطوات . الأمر الذي يحول حياتهم إلى كابوس لا يكاد يتخلصون منه .
والحديث عن الحواجز والمعابر لا يمكن ان يكون وافيا وصادقا الا لمن عاش تحت الاحتلال ولمس حجم المعاناة والذل بأم عينيه وتورمت قدماه وهو ينتظر الاذن للدخول إلى مقصده سواء كان جامعة أو عملا أو غير ذلك، فقصص معاناة الحواجز لا تنتهي الا بزوال الاحتلال نفسه . وما قد نشير اليه هنا ما هو الا نذر يسير من سفر العذاب الفلسطيني وهو بعض ما شاهدناه هناك خلال زيارتنا الأخيرة للأرض المحتلة .
تتخذ قوات الاحتلال الصهيوني من الحواجز العسكرية سياسة ممنهجة لها أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، اذ تحد هذه الحواجز من حرية الفلسطينيين في الحركة والعمل والتعليم والتنقل، ويتعرض كل من يريد اجتيازها لعملية تفتيش دقيقة تسفر عادة عن اعتقال كل من تدعي قوات الاحتلال بأنه «مطلوب أمنيا» لها فهذه الحواجز بمثابة مصيدة لكل النشطاء والمعارضين للاحتلال.
وعادة ما تكون هذه النقاط العسكرية مربوطة الكترونيا بجهاز المخابرات الصهيونية «الشين بيت»، وبمجرد الاشتباه بأي فلسطيني يتم اعتقاله وتحويله إلى المعتقل، فيما يتم تعذيب غير المطلوبين والتنكيل بهم تحت بصر وسائل الإعلام وسمعها، وقد كشفت العديد من جمعيات حقوق الإنسان الدولية حقيقة ما يجري في هذه المعابر وتقدمت بشكاويها إلى المحافل الدولية ولكن دون جدوى.
رغم وفاة عشرات الفلسطينيين على يد جنود الاحتلال الصهيوني المتحكمين في هذه المعابر والحواجز. ولا يسمح في أحيان كثيرة لسيارات الإسعاف التي تنقل المرضى من الأطفال والنساء الحوامل بالمرور إلى المستشفيات الفلسطينية ما دفع عشرات النساء الحوامل لوضع مواليدهن تحت المطر الشديد أو الحر وقلة من يكتب لهم الحياة في ظل هذه الظروف القاسية .
ان تقطيع أوصال الأرض المحتلة يعني استحالة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وتحويل المدن والقرى إلى «كانتونات» ومعازل كتلك التي عانى منها سكان جنوب إفريقيا قبل زوال النظام العنصري هناك فحتى من الناحية الاقتصادية فإن قوات الاحتلال الصهيوني تتحكم في الحركة التجارية ونقل البضائع بين المناطق الفلسطينية فكثيرا ما تعرضت المنتوجات الفلسطينية للتلف.
وهي تنتظر اذن الخروج أو الدخول والكثرة من المصانع والورش الفلسطينية اضطرت للإقفال للنقص في المواد الخام التي تحتاجها ولعدم قدرتها على تسويق منتجاتها من ناحية أخرى واستحالة وصول العمال إلى مصانعهم .
وبالإضافة للحواجز العسكرية الثابتة ولجدار الفصل العنصري الذي يلف الأرض الفلسطينية ويعزل الفلسطينيين عن بعضهم فهناك أيضا الحواجز «الطيارة» وهي تلك التي ينصبها جنود الاحتلال الصهيوني فجأة في غير الأماكن المألوفة والتي عادة ما يتم إقامتها في المناطق الوعرة وبين الجبال والتي يلجأ إليها الفلسطينيون كطرق بديلة للوصول إلى مرادهم للالتفاف على الحواجز الصهيونية وفق ما يعرف بلعبة «القط والفأر».
وعادة ما تكون هذه الحواجز الطيارة اشد وقعا على من يسلكها، إذ يتفنن جنود الاحتلال الصهيوني بابتكار وسائل قمع دون رقيب أو حسيب ويجري تكسير عظام الفلسطينيين عبرها وتصفية بعضهم جسديا.
هذا غيض من فيض في التذكير بما يتعرض له الشعب الفلسطيني تحت الحصار والذي يخنقهم ويخنق اقتصادهم ويفتت أرضهم حتى يستحيل العيش عليها، وليس أمامهم من أمل الا بزوال الاحتلال نفسه وبمختلف طرق التحرير من سياسية ونضالية وعسكرية فحرية الأوطان والإنسان لا تقدم على طبق من ذهب وإنما تنتزع انتزاعاً.